الحَنِينُ إِلَيْكَ يَسْتَعِرُ وَلَا تَهْدَأُ ثَوْرَتُهُ الدَّائِمَةُ،
كُنْتُ أَتَسَاءَلُ عِنْدَ كُلِّ صَبَاحٍ:
هَلِ الحُبُّ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ نَمْحُوهُ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ ذَاكَ الأَثَرَ؟
هَلْ مَا زِلْتَ تَتَذَكَّرُ المَقْهَى الَّذِي كُنَّا نَجْلِسُ فِيهِ كَيْ نَتَنَاوَلَ القَهْوَةَ بِنَكْهَةِ الشَّوْقِ مَعًا؟
قَلْبِي يُحَدِّثُنِي وَلَا يَكُفُّ عَنِ الثَّرْثَرَةِ مَعِي،
يَقُولُ: أَيْنَ العَابِرُ بِالأَمْسِ؟
وَأَيْنَ تِلْكَ الطَّاوِلَةُ الَّتِي شَهِدَتْ أَحَادِيثَ العِشْقِ؟
أُصِيبُ بِدُوَارٍ حَقًّا،
أَتَرَنَّحُ ثَمْلَةً مِنْ جُرْعَاتِ الفِرَاقِ،
لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ سِوَى الحَنِينِ يَسْرِي فِي جَسَدِي يُحْرِقُنِي.
أَنْتَ تُشْبِهُ القَدَرَ كَثِيرًا،
أَخْشَى مَا يُخْفِيهِ،
وَلَكِنَّنِي يَجِبُ أَنْ أُؤْمِنَ بِهِ،
لِذَلِكَ دَائِمًا مَا كُنْتُ أَخَافُ مِنْ لَحَظَاتِ قُرْبِكَ،
لِأَنَّنِي لَا أَعْرِفُ بَعْدَهَا: هَلْ سَنُكَمِّلُ ذَاكَ الوِصَالَ أَمْ سَيَنْقَطِعُ؟
وَهَا هُوَ انْقَطَعَ.
سَأَنْتَظِرُكَ عِنْدَ عَتَبَةِ الغِيَابِ،
لَرُبَّمَا تَأْتِي.
حَمَلْتُ الحُبَّ وَمَضَيْتُ نَحْوَ المَقْهَى ذَاتِهَا،
قَالَ النَّادِلُ وَهُوَ يُقَدِّمُ فِنْجَانَ قَهْوَتِي الوَحِيدَ:
"لَمْ أَرَكِ وَحْدَكِ مِنْ قَبْلُ..."
وَعِنْدَمَا رَأَى الحُزْنَ فِي عَيْنَيَّ تَوَقَّفَ عَنِ الحَدِيثِ وَذَهَبَ.
الجَوُّ بَارِدٌ بِالفِعْلِ،
وَلَكِنَّ دَاخِلِي يَلْتَهِبُ شَوْقًا،
فَالذِّكْرَيَاتُ النَّائِمَةُ بِقَلْبِي تُوقِظُهَا نَبْضَةٌ مِنْ حَنِينٍ.
عِنْدَمَا حَدَّثْتَنِي عَنْ ذِهَابِكَ بِالخَارِجِ لِلْعَمَلِ،
أَحْسَسْتُ أَنَّكَ لَنْ تَعُودَ يَا عَزِيزِي،
وَعِنْدَمَا قُلْتَ سَأُرْسِلُ لَكِ كُلَّ يَوْمٍ،
شَعَرْتُ أَيْضًا بِأَنَّكَ لَنْ تُرْسِلَ شَيْئًا.
وَحَقًّا ذَهَبْتَ وَلَمْ تَبْعَثْ لِي بِبَرْقِيَّةِ وَدَاعٍ.
انْقَطَعَتْ أَخْبَارُكَ وَانْقَطَعَتِ اللِّقَاءَاتُ،
وَمَا زَالَ الحُبُّ يُضِيءُ عَتْمَتِي.
رَأَيْتُ فِي آخِرِ لِقَاءٍ بَرِيقًا فِي عَيْنَيْكَ،
وَتَرَكْتَ لِعَيْنِي دَمْعَةً تَسْكُنُ أَحْدَاقِي.
أَلَسْتَ أَنْتَ مَنْ قَالَ:
"شَمْسُ الحُبِّ لَا تَغِيبُ مَهْمَا طَالَ غِيَابُنَا"،
وَهَا قَدْ غِبْتَ،
وَأَنَا مَا زِلْتُ أَنْظُرُ لِلشَّمْسِ صَبَاحًا بِلَهْفَةٍ،
ثُمَّ تَرْحَلُ لِتَعُودَ لِي بِاليَوْمِ التَّالِي،
وَمَتَى سَتَعُودُ أَنْتَ مِثْلَهَا؟
أَرْتَشِفُ مِنَ القَهْوَةِ وَأَنْظُرُ لِلْمَارَّةِ،
وَلَكِنَّ الشَّوْقَ يُقَيِّدُ قَلْبِي،
أَقُولُ لِذَاتِي:
"مَرَّ عَابِرًا، أَلْقَى التَّحِيَّةَ عَلَى قَلْبِي وَمَضَى،
مَنَحَنِي ثِقْلَ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ القَلْبُ تَحَمُّلَهَا".
تَقُولُ ذَاتِي:
"وَأَيْنَ أَنْتِ الآنَ؟"
أَنَا هُنَا بِالمَقْهَى،
أَجْلِسُ هَائِمَةً فِي مَلَكُوتِ الحُبِّ،
أَسْتَعِيرُ آخِرَ نَظْرَةٍ مِنْ عَيْنَيْهِ كَيْ أَسْتَطِيعَ أَنْ أَمْضِيَ بِذَاكَ الطَّرِيقِ وَحْدِي،
رُبَّمَا أَجِدُهُ فِي نِهَايَتِهِ.
انْتَهَيْتُ مِنْ قَهْوَتِي وَمَضَيْتُ أَتَجَوَّلُ بِالشَّوَارِعِ،
أَنْظُرُ لِلْمَارَّةِ وَالشَّمْسِ،
وَأَسْكُنُ لَيْلًا بِالبَيْتِ،
لِأَعُودَ مِنْ جَدِيدٍ فِي الصَّبَاحِ،
أَرْتَشِفُ الشَّوْقَ عَلَى مَهَلٍ،
وَأَقْتَفِي أَثَرَ الذِّكْرَيَاتِ الهَارِبَةِ مِنِّي،
فَقَدْ نَبَعَ الحَنِينُ بِدَاخِلِي وَلَنْ يَجِفَّ.








































