في زحام هذه المدينة التي لا تهدأ، كانت تمضي وفي جيب قلبها سرٌّ صغير؛ خلطةٌ سحرية تتقن بها فن ترويض الخيبات. لم تكن القسوة هي ميزتها، بل كانت تملك روحاً سائلة تتشكل حسب الإناء، وتتماهى مع شبيهاتها، فإذا ما ارتطم بها حزنٌ، استقبلته بابتسامة المضيف الذي يعلم أن ضيفه —مهما طال مقامه— راحلٌ مع أول خيط فجر.
في ليلةٍ سكن فيها الضوء، تهاوى جسر أحلامها العظيم. لم يكن مجرد ركام، بل كان قطعةً من عمرها سقطت أمام عينيها. في تلك اللحظة، لم ينقذها تجاهلها المعتاد؛ فقد شعرت بوخزةٍ في عمق الروح، وصوتٍ يهمس من خلف غبار الانهيار: "هذه المرة، الجرحُ يا ابنة قلبي عميق، فكيف ستعبرين؟"
استندت بظهرها إلى جدار الصبر، وأغمضت عينيها. لم تستحضر شعاراتٍ فارغة، بل استحضرت صورة ياسمينتها القابعة في زاوية الشرفة؛ تلك التي تشقُّ الإسمنت بعنادٍ صامت لتصافح الشمس.
ومع زقزقة أول عصفورٍ أضاع طريقه إلى نافذتها، نهضت. لم تكن تملك رفاهية البكاء على الأطلال. نفضت غبار الأمس عن ثوبها، ولم تكتفِ بقرار إعادة البناء، بل قررت أن تجعل من هذا الطريق بستاناً. أرادت أزهاراً لا تذبل، أزهاراً تملك من الكبرياء ما يجعلها تضحك في وجه الريح.
أدركت حينها أن قوتها ليست في إنكار الوجع، بل في تحويله إلى إيقاع. فالحياة ما هي إلا حبلٌ مشدود فوق هاوية، وخيارنا الوحيد ليس في الحذر من السقوط، بل في إتقان الرقص فوقه.
ستواصل الضحك، وستحول كل ندبةٍ في جسد حلمها إلى حركةٍ فنيةٍ مبهرة، لتثبت للعالم أن الانكسار ليس نهاية الحكاية، بل هو بروفة أخيرة قبل العرض الأجمل في مسرح الحياة








































