كان الوقت صيفيا معتدلا حين جلست بجانب "حمام السباحة " بأحد النوادى القاهرية التى بنيت على ربوة عالية وكان حمام السباحة فى أعلى مكان بالنادى فبدا المنظر رائعا بحق ..
السماء قريبة والخضرة منتشرة وحانية فى هذا الوقت من شهر مايو قبل أن تلفحنا الشمس بسخونتها وكأننا ابتعدنا عن الأرض.
وهذا هو ما جعل الكثير من الطيور تحلق حولى ..
عصافير ويمام يتقافزون على الأرض غير خائفين ولا عابئين وكأنهم استسلموا بدورهم لهذا السلام والهدوء المخيم على المكان خاصة أن الوقت كان مبكراً وأنا جالسة أتأمل المشهد.
وفجأة اقترب منى "غراب" وظل يتقافز حولى فظللت أنظر له بحب وأتعجب من فظاظة الانسان الذى وصمه بالخراب والموت وأطلق عليه لقب"غراب البين" وهو مخلوق ذوق قلب رحيم وعقل ذكى فهو الوحيد من بين الطيور الذى علم الانسان وأعطاه الدرس الأول فى الأإسانية واحترام الذات فلقنه بكل ذكاء كيف يدفن موتاه وهذا هو قمة الاحترام للانسان حتى حال وفاته.
ظللت أنظر له بحب وهو يقترب أكثر وأكثر من طاولتى وكان أمامى بعض قطع البسكويت فالتقطت واحدة ووضعتها له على الارض برفق ..اقترب منها وأنا أراقبه بحب وأنتظر أن يلتهمها ..
ولكنه لم يفعل بل التقطها وظل يتقافز حتى وصل لحمام السباحة القريب فوضعها فى الماء سريعاً ثم طار قريباً منى حيث يقف غراب آخر أحسبه " أنثاه" فألقمها قطعة البسكويت فى فمها ... وظل بجانبها حتى التهمتها ...
وأنا مذهولة من هذه الرقة المتناهية ومن مقدرته على التفانى بل و"التجويد "فى إظهار هذا الحب وهذه المشاعر النبيلة..
ما هى إلا لحظات حتى اقترب منى مرة أخرى فناولته بسكويتة تلو الاخرى وهو يكرر المشهد حتى كانت آخر بسكويتة أمامى و هذه المرة التقطها ووضعها أمام انثاه فلم تأكلها فاكلها هو ثم طار الاثنان.
وطار نظرى وراءهما وأنا أتخيل أنهما سيعودا لعشهما ليسعدا ببعض الخصوصية بعد تلك الوجبة من المحبة والإيثار التى أهداها لها بكل "رجولة وإنسانية ونبل"..
أما أنا فقد تأثرت واقشعر جسدي وانسابت دموعى حرفيا وظللت أسبح بحمدالله وأثنى عليه حق الثناء .
من الذى علّم هذا الغراب معنى الحب والتفانى والتودد والتلطف ..
من الذى أوحى له ووهبه هذا القلب وهذا العقل وهذه "الانسانية " التى يفتقدها الكثير من البشر ؟؟
التفت حولى لأرى إن كان أحداً قد لاحظ ما حدث ولكن للأسف الطاولات هناك كانت متباعدة تجلس على كل منها سيدة أرغمتها الظروف وقسوة الحياة على متابعة حياة أبنائها بل وكامل أسرتها ..وحيدة... تقضى معظم أوقاتها فى السيارة او بالشارع تتفقد المارة وتتخيل وراء كل منهم قصة مختلفة ..أو فى النادى تتسلى بالتحديق فى الفراغ..
قد يهبها القدر زوجا حانيا محبا مخلصا ذا مروءة يلهث خلف لقمة العيش وقد تقع في براثن ذكر على العكس من كل هذا.
وهى راضية باقدارها في اغلب الاحوال ولديها ما هو اهم منها هي شخصيا ...لديها ابناء.
وعليه فهي من الدرس الخصوصى للمدرسة للتمرين للمطبخ للعمل... لو رأت احداهن ما رأيت لتمنت الزواج من هذا "الغراب" .. آه وربنا ...!
"قصة حقيقية حدثت لي بكل تفاصيلها"
دينا عاصم








































