أسوان، مايو 1988
في تلك القرية التي غفت في بطن الجبل، كان صراخها يشق السماء..تصرخ بكل ما أوتيت من قوة وربما بشكل مبالغ فيه لعل قلبه يرق،
إنه بالخارج يسمعها، قلبه لم يحتمل صوت صراخها فانسحب ليقف خارج الدار..بقميصه الملون الذي يتحاكى به شباب القرية.
تصرخ مرة أخرى، هذه هي عاداتهن في تلك القرية من صعيد مصر..النساء يصرخن أثناء الولادة..هي بعض السعادة في هذا الصراخ المبالغ فيه لدى بعضهن، رغم ان روحها قاربت على شق جسدها، لكن الأمر سحر أنثوي خاص، إنها تعلن على الملأ كم هي خصبة.
ألم يقل النبي خيرهن الودود الولود..هي ولود..ولكن تجهمها الدائم الذي لا يدري له سببا، لم يجعل منها تلك الودود التي تحدث عنها النبي.
إنه لا يعلم ما يعتمل بقلبها من ألم كلما التقيا، يعتقد أنها لا تفهم مشاعره، يحاول بكل رجولته أن يهبها ما تريد، إلا قلبه فهو ليس ملكه..
تدعو سرا أن يخلف الله الظنون السيئة ويرزقها ذكرا لعل قلبه يلين، ذلك الجنوبي الصلد الذي أحبته حتى قبل أن تعرف معنى الحب، كانوا يكررونها على مسامعها منذ طفولتها سليم لك وأنت لسليم..
كانت تراه أمامها بقامته الممشوقة وجسده النحاسي وملامحه المستقيمة فيخفق قلبها، تعلم جيدا أنه مختلف عن كل رجال القرية وعن أبيها وأخيها، رباه، لما هو مختلف كل هذا الاختلاف !
ماذا عساها تفعل لكي يتقبلها، مر عام على زواجهما ومازالت تشعر أنه بعيد جدا عنها، ربما تعليمه الجامعي حال بينهما، وربما أعجبته إحدى الشقراوات في العاصمة..
أتراه يميل لإحداهن؟؟ ولكنها أيضا جميلة، يتمناها شباب القرية، يتمناها الجميع إلا هو.
تعلم جيدا أن أباه الشيخ الشريف سيد البر، أجبره على الزواج منها، فهي ابنة اخته وربيبته،
في بادىء الأمر شعرت بحزن خفي يسكنها، لكن مع رضوخه لرغبة أبيه اقتنعت أن الزمن كفيل بأن يجعله يحبها.
ربما في وقت ما تعجبه سمرتها المحببة وشعرها الأسود المجعد وملامحها الهادئة، شفتيها الداكنتين المغريتين بهما دوما رغبة فيه، لا تلقى معها إلا صدودا لا يشعر به سواها رغم معاملته الطيبة.
المرأة فقط تعلم متى يحبها زوجها ومتى يعرض عنها مهما حاول إخفاء مشاعره.
ربما هي ليست متعلمة مثله، ولكن فطرتها كأنثى لا تخطىء.
هو لا يحبها إلا كابنة عمه، كأخته، لا كزوجة ولا حبيبة ولا حتى كامرأة جميلة يتمناها الرجال..!
لماذا لا يحبها وهي تشبهه وتشبه أمه وأخته. لماذا تشعر بداخله يغلي، يرفض كل ما حوله، يختلق لنفسه قوانين جديدة يشذ بها عن عادات أهله، كانما خلق لزمان آخر أو من بطون أخرى غير بطون هذا الوادي.
ليته يهجر المدينة ويعيش معها بعيدا عن الشقراوات، ليته يخفق في دراساته العليا التي تشغله أو ليته يفشل في عمله بهذا المجال الذي يضطره اضطرارا إلى مقابلة الجميلات من كل حدب وصوب..السياحة، تلك الكلمة السحرية التي صارت لعنة عليها رغم ما توفره لها من رغد في تلك الأيام، صار حبها له حقدا عليه من حيث لا تدري.
لكم تمنت أن يكون له رب عمل ظالم يسرحه من عمله فيعود لقريتهم ويعيش عيشة أهله وأهلها..لكنه للأسف ناجح جدا ومحبوب !
من روايتي (وصال،، زهرة الجنوب)
دينا سعيد عاصم
دينا عاصم








































