إستأذتنى الخادمه التى تعمل فى منزلنا فى الذهاب قبل مدفع الإفطار إلى شقيقتها وأنها ستأتى على موعد الإفطار ( وأعتذر عن لفظ خادمه الذى لا أحبه لما يشعرها بمهانه وأنا لا أحب أن أنادى أحدا بما يكره )
المهم . . أنه أتى موعد الإفطار وإتصلت بى قائله أن شقيقتها قد أصرت على أن تشاركها طعام الإفطار , فقلت لها والرجل الضرير الذى تذهبين له بالإفطار ماذا سيفعل ؟! قالت معتذره : سأتناول إفطارى سريعا وآتى لأوصل له إفطاره وأنهت المكالمه .
بعدها شعرت بحيره وتأنيب ضمير شديدين , فكيف لهذا الرجل العجوز الضريرأن ينتظر بدون إفطار حتى تفرغ هى من إفطارها وأنا أعلم أن هناك عجوز ضرير لا يملك قوت يومه ينتظر حتى نفرغ أنا وهى من طعامنا .
قلت فى نفسى لما لا أذهب إليه أنا بنفسى لأعطيه طعامه , أليس نفعل ذلك لوجه الله تعالى , أليس نفعل ذلك لأننا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا , أليس يمكن أن ينجنى إطعام هذا الرجل من نار لا أطيق حرها , ألست أنا التى بحاجة إليه وإلى شهادته يوم لقاء الله عز و جل بأننى أطعمته قيشفع لى , وهكذا قررت على الفور أن أذهب إليه بطعامه .
وبالفعل حملت الطعام وذهبت إلى ثالث شارع خلف شارعنا وطرقت باب منزله الصغير المتواضع وكان شبه مفتوحا وآتانى صوته من وراء الباب ضعيفا واهنا يعبر عن عدد سنين عمره الطويل وعن سنوات شقائه أيضا قائلا : إدخلى يا (. . . ) مناديا إسم الخادمه فهى من إعتاد أن يأتيه فى هذا الموعد .
دخلت وقلت : إنه أنا ( . . . ) , فتهلل وجهه وهو لا يصدق نفسه : أنت بنفسك تأتين لتعطينى الطعام هذا شرف كبير .
قلت فى نفسى : من منا الذى نال هذا الشرف أنا أم هو
قال معاتبا : ولما لم تأتى ( . . . ) بالإفطار ؟
قلت : إنها غير موجوده اليوم ولم أجد أحدا أرسله لك فجئت بدلا منها فمن غير اللائق أن أتركك تنتظر .
دمعت عيناه الضريرتان من فرط السعاده وأقبل على وهو يهرول ويتعثر فى طريقه , فأمسكت بيده فى سرعه حتى لا يقع وهو لا يرى طريقه وأجلسته وأعطيته الطعام , رأيته يتحسس شيئا بجانبه , فقلت له هل تريد شيئا ؟ قال : عصاى .
قلت : أين هى و آتيك بها .
قال : يا إلهى , وهل أستحق هذا الشرف ؟
قلت : بالله عليك لا تقول ذلك
أعطيته عصاه فقال : معذرة فإن الفئران عندما تشتم رائحة الطعام تلتف حولى تريد الهجوم عليه ثم قال مبتسما : يبدو أنها تعلم أننى ضرير ولا أجد سوى عصاى أهشها بها .
فزعت من مجرد فكرة الفئران فأنا أخاف منها جدا وبتلقائيه نظرت حولى أتحفز من تلك الفئران فوقع بصرى على جدران البيت الباليه التى يكسوها خيوط العنكبوت وأصبحت أتجول ببصرى فى المنزل فى ترقب وأنا أرى كل ركن فى هذا المنزل الشديد التواضع والرجل الذى يجلس أمامى وسط كل هذا البؤس بملابسه الرثه الباليه المتسخه ولكنه باسم الثغر فى قمة السعاده باللقيمات التى أتت إليه وفرحان بالإنسانه التى أتت له بجلالة قدرها لتعطيه تلك اللقيمات , تلك الإنسانه التى هى من بنى جنسه التى سيواريها نفس التراب الذى سيواريه فى يوم من الأيام وسيأكل من جسديهما نفس الدود .
قال : تفضلى بالجلوس .
قلت : أشكرك فقد أوشك المغرب على الآذان , هل تريد منى شئ آخر ؟
قال : جزاكى الله عنى خيرا .
ربت على كتفه وأنا أشعر بأسى شديد لحاله وعدت أدراجى إلى المنزل
كانت الشوارع قد خلت من الماره تقريبا فسرت فى طريقى الهوينه وأنا أتذكر كلام الخادمه عنه وكيف أنه يفطر ويصلى المغرب ثم يجلس يذكر الله حتى تحين صلاة العشاء والقيام ثم ينام حتى توقظه جارته التى تنضم هى الأخرى إلى طائفة الفقراء ( وما أكثرهم مع الأسف ) ولكنها أفضل حال منه , توقظه قبل الفجر بساعه وتعطيه من طعامها المتواضع ليتسحر ثم يقوم مابقى من الليل متهجدا لله حتى يصلى الفجر وينام .
عدت إلى منزلى وجلست أتناول إفطارى فى شرود تلفت حولى وكأننى أرى منزلى لأول مره , ووجدت نفسى أقيم فى عقلى مقارنه بينه وبين منزل الضرير رأيت بهو فسيحا نظيفا مضاءا وأمامى مائده تتزين بأشهى الطعام وتذكرت منزل الضرير المتواضع الضيق الذى يجاهد سراج الكيروسين لكى يبدد بعض ما به من ظلام وتذكرت مائدته التى هى عباره عن منضده صغيره متهالكه ورأيتنا ونحن نجلس نتسامر أنا وأفراد أسرتى وبعضنا من يتابع التلفاز ويتضاحك مع برامجه الهزليه
وتذكرته هو وهو يجلس يتحسس إفطاره ويهش الفئران حتى لا تشاركه طعامه
ورأيتنى وأنا أقيم صلاة العشاء والقيام فى حجرتى النظيفه المضاءه بأبهى الأنوار
ورأيته وهو يتعثر خطاه ليتوضأ ويصلى .
وسألت نفسى كم من نعمة كبيره يمنحنا الله إياها ولا نشكره عليها لأننا نعتبرها من طبائع الأمور .
منحنا الرزق ومنحنا الجاه ومنحنا أهم نعمه وهى البصرالذى يجعلنا أبسط شئ نرى ما نأكل .
وفجأه قفز إلى رأسى سؤال بعد هذه المقارنه :
- من منا أفضل عند الله تعالى ؟
- من منا الغنى ومن الفقير ؟
- من منا الذى بحاجة إلى الآخر ؟
والجواب الذى إهتديت إليه
إننى الأولى بذلك الفقير من الخادمه
لأننى أنا التى أحتاج إليه
اللهم إغفر لى ذنبى وإسرافى فى أمرى