تمر على الإنسان لحظات ما ... يشعر فيها بالضعف والانكسار.. عندما تتكاتف آلام الذكريات مع حاضرك الكسير وحلمك في مستقبل مبهم لا تدركه يداك ليصنعوا معا مزيحاً تتجرع مرارته قطرة قطرة حتى يصبغ أيامك بلون قاتم .. فتتحول معه عزيمتك إلى انكسار وقوتك إلى ضعف .. وتجد نفسك أنذاك تتوق للمسة حانية دافئة تلملم أشلائك وتضعك ثانية على الطريق ... بحثت في داخلي عن تلك اللمسة فوجدت نفسي تقودني في حنين متلهف لأبي .. اشتقت لحنانه لكلماته لمساندته للأمان الذي كان يلفحني في وجوده والذي كان يمنحني بقوة هائلة تخترق نفسي فتحيل الصعب سهلا والمستحيل ممكناً .. شعرت أنني أريده حتى يجمع أشلائي على بعضها البعض .. ولكن أين هو؟؟؟؟!!!!! .. لقد أصبح هو الآخر ألماً ضمن آلام الذكريات ، بل إنه على الآخص أكبر ألم في جعبتي .. ولكنني أحن إليه أشعر برغبة ملحة داخلي في تلمس ريح حنانه حتى وإن كان وهما .. ولذلك قررت أن أذهب لزيارة قبره وبمجرد أن عقدت النية على زيارته في صبيحة اليوم التالي ، أحسست براحة كبيرة بشعوري الزائف من أنني سأذهب له وأنعم بقربه ....وبالفعل ...
في صبيحة اليوم التالي اصطحبت إحدى أقربائي ومعنا السائق وذهبنا إلى منطقة المقابر .. سارت السيارة بنا تنهب الأرض نهباً وكأنها هي الأخرى متعجلة لهذا اللقاء وكلما اقتربنا اعتراني شعور هو مزيج من اللهفة للقاء والانقباض في نفس الوقت ولكن المحصلة كانت تدع في الحلق غصة مريرة ، وما أن وصلنا إلى منطقة المقابر حيث تراصت على جانبي الطريق العديد والعديد من المقابر المنغلقة أو المطبقة على بقايا أشلاء لجثث أناس بينهم شقي الدارين أو سعيد الدارين أو شقي أحدهما ، كلٍ مشغول بما هو فيه ولكنهم جميعا يستوون في الصمت المطبق والإذعان لمالك الملك جلّ وعلا .. لافرق بين غني وفقير .. منظر مقبض لم يبدده سوى تهليلات فرحة انطلقت من حناجر زفة من الأطفال كانت تطاردنا .. أطفال المقابر نظرت في وجههم ولمحت لوحة عجيبة رسمت تفاصيلها من بقايا براءة شوهتها ملامح التشرد والفقر إلا أنهم كانوا فرحين بهؤلاء القادمين طمعا فيما سيمنحونهم إياه مما يسمونه بالرحمة سواء كانت تلك الرحمة في شكل نقود أو طعام أو ما شابه ... شتّت تهليلاتهم وضحكاتهم خليط المشاعر الذي تملكني منذ أن خرجت من منزلي وتعجبت لتصاريف القدر .. نفس الموقف ولكن لبعض الناس حزن ولبعضهم فرح .. وابتسمت في مرارة وأنا أقول في نفسي : حقا مصائب قومٍ عند قومٍ فؤائد.
ترجل السائق من السيارة وذهب ليفتح لنا الباب وهو يفض الأطفال من حولنا .. دخلنا من الباب ورأيت أمامي اللحود للعديد من أفراد عائلتي الذين أعلمهم جميعا عن ظهر قلب جميعهم نفس الصمت المطبق .. جعلت أتنقل ببصري بينهم متمتة في شرود : السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون ونحن ان شاء الله بكم لاحقون .. وذاكرتي تعيد علي ما عاصرته من صفحات حياتهم .. رأيت هذا يختصم هذا وهذه تتوعد وتكيد لتلك وهذا كان يبيت ليلتله يتهجد لله وهذه كانت تطعم الفقير وتعطف على المسكين وهذا كان يتفاخر بقوته ويستغلها في قهر الآخرين والآن هو بين يدي القادر كومة من التراب وهذا وهذا وهذه وهذه .....أخذني جلال الموقف حتى أنساني ما جئت من أجله حتى إنني لم أفق سوى على قريبتي وهي تلمس كتفي قائلة : مالك تتسمرين هكذا ...فانتفضت وكأنني أفيق من سباتٍ عميق وقلت شارده : لاشيء .
تركتها وتوجهت إلى مقبرة أبي وقد أضاع المشهد كم المشاعر الذي قدمت به شغلني ما تحت التراب عما في الدنيا بأسرها بحلوها ومرها وشعرت أن كل أزمات الدنيا تتضاءل تحت جلال هذا المكان وهذا الموقف وقفت أمام لحد أبي أنظر إليه .. كانت بداخلي رغبة وأمنية أن أخترق بعيني ما أسفل هذا اللحد وأرى هذا العالم المجهول لدينا برغم كل ما خُبرنّا عنه وتضاربت بداخلي مشاعر شتى .. رغبة في تلمس حنان والدي والائتناس به وأن أوهم نفسي بالتمسح في صدره لأزيل جراح نفسي المكلومة .. ورهبة وفزع من ضمة القبور والمجهول الذي ينتظرنا جميعا يوم أن ننزل منازلهم .. وسألت نفسي : ماذا سأفعل وقتها إنني أتحدث عنه وكأنه بعيدا بعيدا بالرغم من أنه ممكن أن يحدث بين طرفة عين وانتباهتها .. وكيف لا فربما لفظت آخر أنفاسي الآن وما هي سوى ساعة زمن التي سوف يستغرقها تغسيلي وتكفيني والصلاة علي وأكون إلى جوارهم جثة هامدة لاحول لي ولا قوة .. و أخذتني الفكرة إلا أن قطعها رنين هاتفي المحمول وكانت المتحدثة ابنة عمتي تطلب مني أن أرسل لها السائق لتأتي إلينا لزيارة والدها هي الأخرى .. وبالفعل أخبرت السائق فخرج وهو يقول سأغلق عليكما الباب من الخارج حتى لا يزعجكما الأطفال .. لم أهتم إلا أن صوت طرقعة السلسة في الباب وهو يصك أزعجني وأودع رعدة شديدة تسري في أوصالي .. تخيلت أنني متُ فعلاً ودفنت وها أنا ذا أسمع صوت طرقعة سلسلة الباب وهي تصفّد خلفي .. وتخيلت نفسي وأنا أنتظر الملكين ليأتوني ويجدّوا في سؤالي والظلام حولي من كل جانب وأنا ..ما أنا ؟؟؟!! جثة تنتظر رحمة ربها الرحمن الرحيم ورأيت مشاكلي التي جئت أبثها إلى من لا يملك مثلي وينتظر الرحمة بدوره مثلي لا قيمة لها .. جئت أشكو .. ماذا أشكو .. الآلم !! .. الأحزان !! .. الأحلام التي ضاعت !! .. جئت أشكو دنيا بخلت عليّ .. ماذا تعني الدنيا الآن ووجدتها تتضاءل تتضاءل حتى اضمحلت .. ليتني لم أخلق في هذه الدنيا أساسا وكدت أسقط مغشية علي من مجرد الفكرة لولا أنني انتبهت فوجدتني ما زلت حية أرزق وأنني تحت نور العلي القدير ومعي قريبتي فهدأت نفسي بعض الشيء إلا أن الرعدة عاودتني ثانية وأنا أسأل نفسي .. لقد ارتعبت من مجرد الفكرة فماذا عندما تصبح الفكرة واقع !!!!!!!!!
انفتح باب المدفن ودخلت ابنة عمتي وبصحبتها طفلتيها اللتان تتراوح أعمارهما بين الثامنة والتاسعة .. واتجهت معهما إلى مدفن والدها وهي تقول لهما : اقرآ سورة الفاتحة لجدكما ... وقفتا تقرآن الفاتحة بعد أن رفعا أكفاهما الصغيرتين في براءة وهما يتلوان في ملائكية جعلتني أبتسم .
ما أردت قوله من سردي لهذا اليوم .. أنني ذهبت أشكو دنيا ,,,,,,,,,,,,,, فوجدتها لاتستحق حتى الشكوى
ذهبت بوجه وقلب ,,,,,,,,,,,,,,, وعدت بوجه وقلب مختلفين تماماً
ذهبت وأنا أتصور أن مصائب الدنيا أمر جلل ,,,,,,,,,,,,,,,,, وعدت وقد هانت كل مصائبها بل كل أفراحها قبل أحزانها .
صدفت يا سيدي يارسول الله حين قلت إذا ضاقت بكم الصدور فاذهبوا إلى القبور..