الإنسان بين عقله وشهواته
مما لا شك فيه أن الله عندما خلق الإنسان وكرمه فوق صورته الجسدية الفريدة بالعقل، فقد حباه بسر الحياة التي تليق به، فكان العقل البشري هو قمة العطاء من الخالق لهذا المخلوق الذي جاء ليعبد الله ويعمر الأرض ويكون خليفته والناطق بحكمه فيها.
لكن إلى جانب هذا العقل كانت عطايا الله الأخرى، والتي تبدو للناظر للوهلة الأولى كنعمة، لكنها جاءت لتكون سلاحًا ذو حدين في هذا الاختبار الدنيوي، فمن أحسن استخدامها كانت طريقة للنجاح، ومن ساقته دون قيادة حكيمة من عقله، كانت المعول الذي يحفر لنفسه به حفرة من حفر النار ليُخلد فيها.
الضمير هذا الوغد الذي أهلك صاحبه
جاء العقل كأعظم النعم التي مَنّ الله بها على ابن آدم، كما حباه إلى جانبه ضميرًا يميزه عن كل المخلوقات، ليكون العقل هو السفينة والضمير دفتها، والإنسان رُبانها ومن يملك زمام توجيهها كيفما أملت عليه نفسه، فمن ملك نفسًا مطمئنة عرف طريقه، ومن شقى بنفس أمارة بالسوء فدفة مركبة إلى الضياع سائرة لا محالة.
وهنا تتجلى صعوبة هذا الاختبار الدنيوي، وكيف يروض الإنسان ضميره فلا يقوده إلا للخير، وتتجلى أيضًا خطورة الضمير الجمعي للمجتمعات، والذي يعطيها سماتها الفريدة التي تميزها عن غيرها، فنرى هذا المجتمع الذي يشتهر بتدينه، وهذا الذي يغلب عليه فجوره، هذا الذي يتمسك بتقاليده مهما مر عليها من أزمنة، وهذا الذي تخلى عن جذوره وسعى مهرولًا خلف القطعان هنا وهناك فتشتت لا إلى هؤلاء انتمى ولا إلى هؤلاء.
حين يقود المرياع القطيع نحو الهاوية
"كل الناس بتعمل كده" جملة تصيبني بالذهول كلما سمعتها -وكثيرًا ما يحدث ذلك للأسف الشديد- وما يشبهها، اسمعها من الأطفال الصغار حين يُلحون على شيء من قائمة الممنوعات، اسمعها من الكبار حين تزل أقدامهم في مستنقعات الكذب، الغش، الخيانة، الاحتيال، وكل ما شابهها من موبقات، أسمعها حين يريد إنسان أن يبرر لنفسه ولمن حوله "أنني لست هذا المخطيء الذي تظنه" فما أنا إلا شخص يسير على نهج مجتمعه لا أكثر.
نُخطأ ونصم آذاننا ونغشي أبصارنا ونلبس ثوب الكبر والغرور، وتحضر الحجة الباطلة دومًا بأن الجميع يفعلها فما ذنبي!!
وكأن سير الجميع نحو الهلاك يُعفي الإنسان من الحساب عن أفعاله، وكأن تسليمك لعقلك وضميرك الفردي لأي جماعة تستحوذ على رضا نفسك الأمارة بالسوء هو تفويض منها لك بأنها تتحمل إثم كل جرائمك في حق نفسك وغيرك، فهكذا يفعل الجميع.
الضمير الجمعي في القرآن والسنة
خلق الله ابن آدم فكان كل فرد من نسله تجربة متفردة لا يشبه من سواه، كل منهم يملك بصمة لروحه كما لأصابع يديه، خُلق وحيدًا، ويموت وحيدًا، وسيبعث لحسابه وحيدًا، لا أم ولا أب سيحمل عنه أوزاره، لا صاحب ولا أخ يعطيه من حسناته، لا جماعة ينتمي إليها ولا مجتمع يحذو حذوه سيعترف أنه المسئول عن أخطائه.. فقد قال الله تعالى في كتابه الحكيم:
{وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا}
(سورة مريم 95)
وجاءت فكرة أن السير خلف القطيع دون إعمال العقل، ووزن الأفعال بميزان الحق والعدل لا خير فيها، وأن غالبية التكتلات التي تبدو للجاهل أنها الفائزة وأن طريقها هو الصواب، ما هي إلا رايات للضلال تبهرك بكثرة تابعيها، ويغرك بريق ظهورها، فقال سبحانه:
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 1
وحين ننظر إلى كلمة "أكثر الناس" في القرآن الكريم، فسنرى أن الغالبية من البشر تسير في طريق الخسران، فلا نجد بعدها إلا " لا يؤمنون، لا يعلمون، لا يشكرون."
ولو تتبعنا كلمة "أكثرهم" فلن نجد بعدها إلا "فاسقون، يجهلون، معرضون، لا يعقلون، لا يسمعون." قال الله تعالى:
{وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين}
(سورة يوسف 103)
كما جاء في سنة نبينا الكريم -صلوات ربي وسلامه عليه- ما يؤكد نفس الحقيقة، وأنه سيأتي اليوم الذي تصبح فيه الغالبية على الضلال، ويعود الحق غريبًا وحيدًا منبوذًا، وتكون حجة الناس أن أغلبهم يفعلون، فقال ﷺ:
" بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء"
(رواه مسلم)
وهنا نجد الواقع المؤسف الذي نعيشه اليوم، فقد عاد الإسلام غريبًا كما جاء، وعليه فقد أصبح الحق غريبًا، والخير غريبًا، وكل الفضائل غريبة، حتى لا تجد بين الفرق على كثرتها إلا فرقة واحدة على الحق، فما حجتك يا من حجتك أن " هكذا يفعل الجميع"!
قال ﷺ:
«وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة».
(رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني).
فكيف تكون النجاة؟
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾
جاءت الآية الكريمة بالحل الأمثل لهذه المعضلة الأخلاقية، فعندما يوقن كل فرد أنه مسؤول لا محالة عن كتابه بكل ما حوى، لن يغني عنه مجتمع ولن تشفع له غالبية، ولن تحمل أوزاره قلة ممن شجعوه على الاستمرار في الضلال، وقتها فقط ستكون نقطة التحول والعودة، وقتها سيعلم أن لا خير في جماعة تهوي به نحو الهلاك، وقتها فقط سيوقن أن النجاة أن تكون وحيدًا في طريق الحق لا تابعًا خلف مرياع الضلال.








































