ـــــــــــــــــــ
ثلاثُ دقائقَ فقط من التفكيرِ كانت كافيةً لِكريمٍ حتى يحسمَ أمرَه، ويتخذَ قرارَه بالعملِ كأمينِ مَخزنٍ لإحدى دورِ النشرِ.
لم يكن القرارُ سهلًا عليه، فهناك عملٌ آخرُ بمقابلٍ ماديٍّ أكبرَ وامتيازاتٍ أفضل، ولكنَّ عشقَه وحبَّه للقراءةِ وشغفَه، بل وإدمانَه لقراءةِ كلِّ ما يمتُّ للأدبِ بصلةٍ، وكلِّ ما هو جديدٌ، بعد أن قرأ لعمالقةِ الأدبِ المصريِّ والعربيِّ، بل وأيضًا العالميِّ، وضعه أمام تحدٍّ خاصٍّ، وهو القراءةُ للأقلامِ الشابةِ والمواهبِ الواعدةِ.
كان عملُه ــ كما أخبره صاحبُ الدارِ ومديرُها وأحدُ أشهرِ كُتّابِها ــ بسيطًا غيرَ معقّدٍ، فهو سيكون المسئولَ عن استلامِ المطبوعاتِ من قصصٍ ورواياتٍ ودواوينَ شعريةٍ وسائرِ المطبوعاتِ الأخرى، وذلك عقبَ خروجِها من المطبعة، ليقومَ بأرشفتِها بالمخزنِ، لحينِ المشاركةِ بالمعارضِ أو الاتفاقِ مع المكتباتِ لعرضِ إصداراتِ الدارِ لديها.
ما إن استلمَ كريمٌ العملَ حتى واجهَ صدمتَه الأولى، والتي تمنّى أن تكون الأخيرةَ.
فلم يكن المكانُ سوى سِردابٍ أسفلَ إحدى البنايات، وما إن دلفَ داخله حتى كانت صدمتُه الثانيةُ، حيث كانت هناك مئاتُ الكراتين، بل وبلا مبالغةٍ ربما تعدّت ذلك بكثيرٍ، وما أحزنه حقًّا أنها كانت مُلقاةً على الأرضِ بلا أيِّ تنظيمٍ أو حتى اكتراثٍ، وكأنّه إهمالٌ متعمَّدٌ.
قال في نفسه: «لا يهم، سأقومُ بتنظيمِ كلِّ هذا والاهتمامِ بالكتبِ، فهي تستحقُّ ذلك. لمَ لا؟ وما هذه الكتبُ إلّا نتاجُ جهدٍ وأرقٍ لأصحابِها لشهورٍ أو ربما سنواتٍ لتخرجَ إلى النورِ وتصلَ إلينا».
لأسبوعٍ كاملٍ، كان كريمٌ يهتمُّ بالكتبِ دون قراءتِها أو الاطلاعِ حتى على محتواها، لمَ لا؟ وهو صاحبُ طقوسٍ خاصةٍ بالقراءةِ لا يحيدُ عنها؛ فالهدوءُ والقهوةُ عنصران لا يتخلى عنهما مهما حدث.
على مدارِ هذا الأسبوعِ، الذي كان منهمكًا فيه بترتيبِ وتنظيمِ المكانِ وتقسيمِه لفئاتٍ: حيث الرواياتُ في مكانٍ، والمجموعاتُ القصصيةُ في آخر، وللشِّعرِ مكانٌ خاصٌّ بعد أن حدَّد أسماءَ الكُتّابِ وما يخصُّهم من أعمالٍ
يتبع








































