ربما لا تحتاج الحقيقة إلى شجاعةٍ خارقة بقدر ما تحتاج إلى ضميرٍ حيّ لا يساوم، ولا ينام حين يجب أن يصحو. فالشجاعة قد تخذلنا أحيانًا؛ نخاف، نتردد، نحسب الخسائر قبل أن ننطق، فنؤجّل قول الحقيقة أو نلوذ بالصمت. وهذا ضعفٌ مفهوم… لكنه يظل إنسانيًا.
أما طمس الحقيقة، فذلك ليس خوفًا، بل خيانة. خيانة للذات وللضمير الإنساني أولًا، وللقيم التي تربينا عليها وندّعي الإيمان بها، كما أنها خيانة للعدل الذي نطالب به حين نُظلم. فالصمت بدافع العجز يختلف كثيرًا عن الصمت بدافع التواطؤ، وبينهما مسافة أخلاقية لا والفيصل الوحيد هو الضمير.
الضمير الحي لا يطلب منا أن نكون أبطالًا، ولا أن نرفع أصواتنا في كل معركة، لكنه يطالبنا ألا نزيّف، وألا نبرّر الباطل، وألا نشارك في دفن الحقيقة تحت ركام المصالح والمخاوف. يطالبنا فقط أن نكون صادقين مع أنفسنا، حتى إن عجزت ألسنتنا عن الجهر.
كم من حقّ ضاع لأن أصحابه خافوا، وكم من ظلمٍ تمدّد لأن البعض قد صمتوا، ليس لأنهم عاجزون، بل لأن ضمائرهم اختارت السلامة الزائفة والسير مع القطيع. الشر لا ينتصر بقوته وحدها، بل بتخاذل الضمائر التي تعرف الحق وتدير له ظهرها.
الحقيقة قد تُؤلِم، وقد تُكلّفنا الكثير، لكن دفنها يُكلّفنا أكثر؛ يُطفئ شيئًا داخل أرواحنا، ويترك في الروح جراح لا تشفى. فالإنسان قد يعيش بلا شجاعة لحظة، لكنه لا يعيش طويلًا بلا ضمير.
في النهاية، لسنا مطالبين بأن نقاتل دائمًا، لكننا مطالبون ألا نخون.
من العار التعايش مع الصمت ونحن نرى حقوقًا تضيع أمام أعيننا ويستمر الصمت.
من العار… أن نطمس الحقيقة ونحن نعرفها.
استقيموا يرحمكم الله....








































