العاقل ليس من يبتعد عن النار تمامًا، بل من يعرف المسافة المناسبة ليقف عندها. يقترب منها بالقدر الذي يمنحه الضوء والدفء، ويبتعد بالقدر الذي يحميه من الاحتراق. هذه ليست مجرد قاعدة فيزيائية… بل قانون إنساني للحياة والعلاقات.
ففي الحياة، هناك أشخاص يشبهون النار؛ يمنحوننا نورًا ومعنى، يشعلون فينا الحماس، وربما يفتحون لنا أبوابًا لم نكن نراها. لكن الاقتراب منهم أكثر مما يجب قد يعني خسارة النفس، أو استنزاف الروح، أو احتراق القلب بصمت.
لقد أدركت متأخرًا أن فنّ التعامل مع البشر هو فن المسافة المناسبة. فلا إفراط يجعل الشخصية تتلاشى، ولا تفريط يقتل المشاعر ويميتها. لقد أدركت أن الحكمة ليست في أن نُغلق قلوبنا، بل أن نُحسن إختيار من يسكنها. ليست في أن نهرب من العلاقات، بل أن نتعلم كيف نُوازن نتعامل معها، وكيف ننزل كل شخص المكانة التي يستحقها داخل قلوبنا.
ثمة علاقات تستحق الاقتراب لأنها مصدر قوة، وأخرى يجب أن تُدار من بعيد لأنها تأخذ أكثر مما تعطي.
وهنا يظهر الفرق بين النضوج العاطفي والتعلق المؤلم. الناضج لا يقطع الخيط بينه وبين الآخرين، لكنه يُمسكه بوعي، بحيث لو اضطر لتركه… لا ينقطع قلبه معه.
يقول علماء النفس إن حماية الذات لا تعني القسوة، بل احترام الطاقة الداخلية. فإرهاق الروح لا يختلف كثيرًا عن إرهاق الجسد؛ كلاهما يُضعف قدرتنا على الحياة. لذلك، من أكبر مهارات التنمية البشرية أن تعرف:
من الذي يمنحك طاقة؟
ومن الذي يسحبها منك؟
من الذي يضيف إليك؟
ومن يأخذ منك؟
ومن منهم يجب أن يبقى قريبًا… ولكن بحذر؟
وقفة مع الذات:
قبل أن تمنح قلبك، أو وقتك، أو جهدك لأحد… اسأل نفسك:
هل هذا الشخص يشبه النار الدافئة؟ أم النار الحارقة؟
هل علاقتي به تمنحني قوتي؟ أم تستنزفها؟
هل أقترب منه بعقل أم بعاطفة فقط؟
إن أقوى أنواع الحكمة أن تبقى صادقًا في مشاعرك… ولكن سليمًا من الداخل.
ولا تنسَ أن الحياة لا تطلب منك أن تصبح قاسيًا، لكنها تطلب منك أن تكون واعيًا. أن تفهم أن بعض العلاقات لا تُصلح بالنوايا الطيبة فقط، وإنما تحتاج لمسافة تحفظ لك توازنك وكرامتك وسلامك النفسي.
في النهاية، يمكنك الاقتراب من النار… وأن تبقى دافئًا دون أن تحترق.
فالعاقل هو من يعرف متى يخطو… ومتى يتوقف.
ومتى يمنح قلبه لمن يستحق… ومتى يحميه من كل العلاقات السامة والمؤذية.








































