لا يسير الإنسان في حياته وحيدًا، مهما ظنّ ذلك. فمنذ لحظة ميلاده الأولى، تبدأ الوجوه في العبور أمامه؛ بعضها يستقر طويلًا بحكم القرابة وصلة الدم، وبعضها يمر سريعًا، لكنه يترك أثرًا لا يُمحى. فالحياة ليست فقط ما نعيشه، بل من نعيش معهم، وكيف نتعامل معهم، وماذا نتعلّم من حضورهم أو غيابهم.
في كل مرحلة عمرية، تتغير دوائر العلاقات كما تتغير ملامحنا. في الطفولة نحتاج من يحتوينا، وفي الشباب نبحث عمّن يشبهنا، وفي النضج نُدرك أن التشابه ليس شرطًا للاستمرار، بل الفهم والاحترام. ومع مرور الوقت، تتساقط بعض العلاقات تلقائيًا، ليس لأننا أخطأنا، بل لأنهم كانوا عابرين، ولأننا كبرنا، ووجب علينا أن نُدرك أن لكل مرحلة ناسها.
هناك العلاقات التي تفرضها علينا الظروف، وهي تختلف عن تلك التي نختارها بإرادتنا. هناك أهل لا نستطيع استبدالهم، وأصدقاء نختارهم لأن أرواحنا ترتاح لهم ومعهم، وزملاء عمل؛ منهم الجيدون، وهؤلاء نتعلم معهم معنى التوازن، وحدود القرب، وأهمية الاحتراف، ومنهم السيئون، والمتنمّرون، ومتصيّدو الأخطاء، ومثل هؤلاء نتعلم منهم كيفية المواجهة بحكمة، والتصدي للإيذاء دون خوف.
في حياة كل منا هناك أيضًا العابرون، أولئك الذين نلتقي بهم مصادفة، لكنهم يعلّموننا درسًا، أو يتركون سؤالًا، أو يكشفون جانبًا خفيًا فينا.
ومع تغيّر أدوارنا في الحياة، تتغير طريقة تعاملنا مع الآخرين. أن تكون طفلًا يعني أنك لست مسؤولًا، وأن تكون شابًا يعني أن تُجرّب فتخطئ وتصيب، وأن تنضج على نار هادئة وتتحمّل. وكذلك في العمل والحياة الاجتماعية، ننتقل من موقع التلقي إلى موقع المسؤولية. ومع كل مرحلة من مراحل العمر، يصبح الوعي بالعلاقات ضرورة لا غنى عنها.
علينا أن ندرك جيدًا أنه ليست كل العلاقات سهلة، ولا كل الناس يشبهوننا. وعلينا أن ندرك أن العلاقات الإنسانية في الكثير من الأحيان تكون معقدة؛ فهناك من يُربكنا بحضوره أو غيابه، وهناك من يستفزنا بأفعاله وأقواله، وهناك من يختبر صبرنا حدّ الأذى النفسي والبدني. بعض العلاقات تعكس لنا عيوبنا دون قصد. وهنا تكمن الحكمة: أن نفهم أن الاختلاف لا يعني بالضرورة العداء، وأن المسافة أحيانًا أكثر أمانًا من القرب، وأن الصمت قد يكون أبلغ من جدال لا يُثمر.
المكسب الحقيقي للإنسان لا يكون في عدد من يعرفهم، بل في كيفية تعامله معهم. أن يعرف متى يمنح، ومتى يمنع، ومتى يقترب، ومتى ينسحب دون ضجيج. أن يتعلم أن ليس كل من فقده خسارة، وليس كل من بقي مكسبًا.
وفي النهاية، ومع اقتراب كل إنسان من محطته الأخيرة، يدرك حقيقة بسيطة وعميقة، وهي أن السلام الداخلي لا يأتي بكثرة العلاقات، بل بصدقها. وأن الرحلة تصبح أخفّ حين نختار من يسير معنا بوفاء، ونترك من يثقل خطواتنا دون شعور بالذنب.
فالحياة، في جوهرها الحقيقي، ليست صراعًا مع الآخرين، بل رحلة لفهم الذات من خلالهم. وكل من مرّ بنا كان رسالة، وكل علاقة كانت مرآة. والنجاة الحقيقية ليست في أن نُرضي الجميع، بل في أن نصل إلى النهاية ونحن متصالحون مع أنفسنا، ومع فكرة أن لكل محطة أناسها، ولكل وداع حكمته.
لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى لنتعارف لا لنتصارع، لنتعاون ونتكاتف، لا ليُقصي كلٌّ منا الآخر، ولنكتمل من خلال نقصنا.








































