في بعض الأماكن، يصبح الأمين غريبًا، منبوذًا، وكأن الصدق تهمة تُؤخذ على صاحبها. فلا موضع للشرفاء بين مدّعي الشرف، ولا مكان للطاهر بين الملوّثين. ومع ذلك… هناك من يختار أن يعيش بسلام، متسلحًا بحسن الظن برب العالمين، مؤمنًا أن الأرزاق بيد الله وحده، وأنه لا حيلة في الرزق كما أنه لا شفاعة في الموت.
يحكي المقال قصة رجل تاجر، مطمئن القلب، ثابت اليقين، ينتظر شحنة أخشاب سيتعامل بها مع إحدى الشركات المتعاقد معها، ملتزمًا بالموعد ليس خوفًا من الشرط الجزائي، وإنما وفاءً بالعهد وصدقًا في التعامل. تصل الشحنة في موعدها، فيحمد الله ويطمئن، غير مدرك أن هناك من يدبر له المكائد في الخفاء…
حفنة من أصحاب النفوس الملوثة، ممن وضعوا المال في القلوب بدل الأيدي، ظنوا أن الرزق يُنتزع بالخداع والاحتيال، وأن النجاح يأتي بالتحايل لا بالعمل. قرروا تأخير الشحنة ليُجبر الرجل على دفع الشرط الجزائي، وتواطأت الشركة المتعاقد معها معهم في هذا المخطط الخبيث.
تحت جنح الظلام، يُحرقون جميع سياراته ويهددون شركات النقل بعدم التعامل معه. ومع انشغاله بالتحقيقات، يتأخر عن موعد التسليم، وتطالبه الشركة بدفع الشرط الجزائي دون رحمة. يسود الخوف والقلق بين العاملين معه، فمصيرهم مرتبط به، ورزقهم مهدد بالضياع.
لكن الرجل ـ وعلى غير المتوقع ـ لم يفقد ثباته؛ كان هادئًا، مطمئنًا، يردد بيقين: قدر الله وما شاء فعل. يحمد الله في الضراء كما يحمده في السراء… وكأنه يعلم أن وراء كل محنة منحة، وخلف كل خسارة عطية خفية.
وفي طريقه لأداء الصلاة، يرن هاتفه، فيغلقه حتى لا تلهيه التجارة عن العبادة. وبعد انتهاء الصلاة ورفع الدعاء، يفتحه فيجد اتصالات متكررة من شركة أخرى منافسة، ترجوه أن يبيعهم الشحنة بأي ثمن يريده. لقد اكتشفوا أن باقي الشحنات في السوق قد أصابها السوس وأُتلفت بالكامل، فارتفع سعر الخشب للضعف.
ابتسم التاجر قائلًا: ولكنني لا أملك سيارات للتوصيل. فجاءه الرد سريعًا: سنرسل نحن سياراتنا لاستلام البضاعة من الميناء. كان العقد الجديد يغطي الشرط الجزائي وثمن السيارات المحترقة، بل ويعود عليه بالربح الوفير.
خرج من الصلاة بوجه، وعاد بوجه آخر… خرج مهمومًا، وعاد مرفوع الرأس. لأن الذي طرق باب السماء لم يُغلق في وجهه باب الأرض.
فبالله عليكم… كيف نقلق وقد علمنا أن الأسباب كلها مُسخَّرة لله، يهيئها كيف يشاء، ومتى يشاء، لعباده الصادقين؟
في كل ابتلاء، يجب أن نحسن الظن برب العالمين. فبعض الخسائر تكون مكاسب مؤجلة، لا تأتي إلا لمن دعا بصدق، وتوكل بيقين. خلقنا الله لنعبده لا لنقلق، ولنتوكل عليه لا على الأسباب. ومن أحسن التوكل… كفاه الله، وأغناه.
ربما كان ابتلاؤك اصطفاءً لا عقابًا
وربما كان المنع عين العطاء
فليكن قلبك خالصًا له
وليكن رجاؤك معلقًا به
وثق… أن الله لن يخذلك ولن يضيعك
فمهما حدث… كن مطمئنًا.








































