ابتلع الحاج سيد ريقه بصعوبة، وهو يقول:
هذا اليوم كان لدي كشف طبي لعمل بعض الفحوصات على القلب لإجراء عملية قسطرة، وقد غادرت عقب الإفطار مباشرة، وكان ذلك بالساعة التاسعة والربع، ولم أعد إلا عقب صلاة العصر، ولم أعلم بالحادث إلا عند عودتي.
اتبع قوله بتقديم ملف يحوي الفحوصات التي قام بها.
ألقى المقدم ناصر نظرة خاطفة على الملف، ومن ثم طلب منه الانصراف.
لم يتبق أحد سوى فريد، فني الدش، والذي حاول جاهداً أن يقف بثبات قبل أن يبادره المقدم ناصر بقوله:
وأنت يا فريد، ما هي معلوماتك عن الحادث؟
فريد، وقد انهمرت دموعه، وهو يقول بصوت أجش من أثر الانفعال:
كانت ست طيبة يا بيه، وعمرها ما زعلت حد.
أردف قائلًا:
دي كانت بتعطف على الكل يا بيه، وياما استلفت منها سكر وشاي وملح وبهارات، ما أنا زي ما حضرتك عارف عازب وقاعد لوحدي.
المقدم ناصر، وهو يرمقه بنظرة فاحصة:
ما هي معلوماتك عن الجريمة؟
فريد:
يوم الجريمة يا بيه، كنت عايز شوية شاي علشان أفطر وأنزل على شغلي، ولما نزلت للحاجة زينب الله يرحمها علشان استلف منها، سمعت صوت زعيق وصراخ، وبصراحة اتحرجت أخبط على الباب ورجعت لشقتي.
المقدم ناصر:
وهل ميزت الأصوات الصادرة من شقة المرحومة؟
فريد:
أيوه يا بيه، كان صوت الحاجة زينب وصوت ابنها سعيد، وسمعته بيقول لها إنه عارف إنها شايلة فلوس كتير غير الذهب، وأنه أولى حد بكل اللي معاها، وأنه مديون والديانة بيهددوه.
المقدم ناصر:
وهل سمعته يهددها بالقتل؟
فكر فريد مليًا قبل أن يجيب:
الكدب خيبة يا بيه، بس قبل كده هددها قصادنا كلنا إنه هيقتلها لو مخدش منها اللي هو عايز، كمان أنا سمعته بيقول لها: “أنتي أخدتي كل حاجة، عايزة إيه تاني من الدنيا، مش تخلينا نعيش.”
المقدم ناصر:
وبعدين حصل إيه؟
فريد:
ولا حاجة يا بيه، خرجت على شغلي زي العادة ورجعت على وقت الدفنة يا بيه.
المقدم ناصر:
تمام يا فريد، ممكن تمشي الآن.
ما إن غادر الجميع، وأصبح المقدم ناصر والملازم تيسير بمفردهما، حتى تبادلا النظرات، ليقول الملازم تيسير:
الأمر صعب، سيادتك.
المقدم ناصر، وكأنه لم يستمع لحديثه:
هيا بنا تيسير إلى المكتب، أريد مراجعة كل ما سجلته الكاميرات مرة أخرى، من بداية اليوم وحتى نهايته.
ما إن وصلا للمكتب، حتى توجه الملازم تيسير بالحديث للمقدم ناصر قائلًا:
هل لديك أية شكوك قد تقودنا للقاتل، سيادتك؟
المقدم ناصر:
قبل أن أخبرك، هل تشك أنت بأحدهم؟
الملازم تيسير، بخجل:
سأخبرك بشكوكي، ولكن ليس قبل أن أتناول بعض الشاورما والبيتزا، فأنا أتضور جوعًا ولم أتناول أي طعام منذ ساعات.
ابتسم المقدم ناصر قائلًا:
حسنًا، ستأكل وسنشرب القهوة، ولكن إن لم تتوصل للحل ستدفع أنت الحساب.
أعقب قوله بضحكة طويلة.
وما إن انتهيا من تناول القهوة، حتى اعتدل تيسير بجلسته، وهو يقول:
أنا أشك بإثنين، وهم عامل المخبز وابنها.
المقدم ناصر، متسائلًا:
ولماذا هم بالتحديد؟
تيسير:
أثر الخطوات بقرب المطبخ، وذلك الغبار ليس إلا دقيق، ولا شك هو يعود لعامل المخبز، وكما أخبرتني فهو يقول إنه أعطى الخبز للحاجة زينب أو ابنها، بينما أثر خطواته يتجه نحو المطبخ، وهو مكان وقوع الجريمة.
أما ابنها، فهو لديه كل الدوافع لارتكاب الجريمة، كما أن تحريات المباحث بينت أنه مقامر وعليه الكثير من الديون، كما أنه سيئ الخلق وهددها أمام الجميع.
المقدم ناصر:
تحليل جيد جدًا جدًا.
ما إن شعر تيسير بالزهو، حتى أردف المقدم ناصر قائلًا:
ولكن كل هذا قول مرسل لا دليل عليه.
تيسير:
كما أنني أشك بالحارس، فهو لم يذكر التوقيت الصحيح لتوجهه للحاجة زينب، وربما هو من قام بالجريمة وأخفى الآثار بعد ذلك.
المقدم ناصر، بشرود:
نعم، تحليل منطقي، لقد أثرت إعجابي حقًا.
انتفخت أوداج تيسير، وهو يقول:
كما أشك بالجارة، فهي تمتلك نسخة من المفتاح وربما طمعت بذهب الحاجة زينب والمال الذي خبأته.
المقدم ناصر، مصفقًا بكلتا يديه، وهو يقول:
كم أنت رائع يا تيسير.
ليقول تيسير بحماس:
أما فريد، فني الستلايت، والأستاذ عليوة، والحاج سيد، فهم لا يحتاجون للدخول والخروج، وربما ارتكبوا الجريمة لعلمهم أنه لا أحد سيشك بهم، وربما يكون كشاف النور.
المقدم ناصر، وهو يرمقه بغيظ:
هل تشك بي أنا أيضًا يا تيسير؟ وهل بقي أحد بمصر لا تشك به؟
تيسير، وقد شعر بالحرج:
العفو سيادتك، أنا فقط أساعد، والرأي الأخير لسيادتك.
المقدم ناصر:
حسنًا يا تيسير، حقيقة أنا معجب بك، وأنت تتقدم من قضية لأخرى، ولكن ألم تلاحظ أن الجميع لديهم حجج قوية، كما أنه لا يوجد دليل إدانة دامغ على أي منهم، حتى البصمات على السكين لم تتطابق مع أي منهم، ولكن ربما لأن القاتل كان يرتدي قفازًا أثناء ارتكاب الجريمة، أو أنه مسح بصماته عقب الانتهاء من جريمته.
تيسير:
بالفعل، لهذا يبدو الأمر محيرًا ومعقدًا بعض الشيء.
المقدم ناصر:
هيا، أدر الكاميرا وتعالى معي.
تيسير:
بالتأكيد، سيادتك. تعلم أن الكاميرات لن ترصد دخول سكان البناية فهم متواجدون بشققهم بالفعل وقت ارتكاب الجريمة.
المقدم ناصر، مؤيدًا لكلامه:
نعم، ولكن بالتأكيد ستظهر خروجهم وعودتهم.
أردف قائلًا:
هي لا تضيع الوقت.
وما إن أدار تيسير تسجيل الكاميرات حتى قام بإعادة التسجيلات ليوم الجريمة، وهو يقوم بتسريع المشاهد ليظهر بوضوح دخول ابن القتيلة أولًا، ثم عامل المخبز، وبعدهم خروج الحارس، كذلك خروج عامل المخبز، والحاج سيد من بعد ذلك، ثم خروج الابن، تبعه دخول الجارة، عقب ذلك خروج الجارة بعد عدة دقائق وهي تصرخ وتولول لتجمع الجيران، ومن ثم إبلاغ الشرطة.
تابع المقدم ناصر الكاميرا حتى نهاية اليوم، والتي رصدت حضور الشرطة، كذلك عودة الحاج سيد
يحمل بيده ملف الفحوصات الطبية، ودخول وخروج الحارس أكثر من مرة، ثم خروج الجثمان للتوجه للمشرحة. وبعد ساعات، نزول الأستاذ عليوة بصحبة الحاج سيد وفريد لتشييع الجنازة.
كان هذا آخر ما رآه المقدم ناصر، والذي لمعت عيناه فجأة ليصرخ قائلًا بحدة:
هنا يا تيسير، توقف هنا بالضبط!
تيسير، وهو ينظر نحو المقدم ناصر بحماس:
أعرف هذه النظرة جيدًا يا فندم، وهي تعني أنك قد توصلت للقاتل، أليس كذلك؟
المقدم ناصر، بثقة:
هل تعلم يا تيسير، حل أصعب الألغاز يكمن بالتفاصيل البسيطة، ولكن كيف فاتني ذلك؟ يا له من أمر مذهل! من قد يصدق هذا؟
تيسير:
إذن، فقد عرفت القاتل، فمن هو؟
المقدم ناصر، بشرود وكأنه يتحدث لنفسه:
بينما نذهب بعقولنا بعيدًا، تعجز أعيننا عن رؤية الحقيقة الساطعة، ربما لأننا لا نستطيع استيعاب أن حل أصعب الأمور وأعقدها يكمن بأبسط وأدق التفاصيل.
نظر نحو تيسير بحماس، وهو يقول:
ألم أخبرك أنه لا توجد جريمة كاملة يا تيسير؟ ومهما كان حرص المجرم على الإفلات بجريمته، إلا أنه، وبأغلب الأحيان، يترك الدليل خلفه سواء بقول أو بفعل، ليكون القصاص بالدنيا، وعند الله ينال جزاء ما اقترفت يداه.
الملازم تيسير، وهو يتابع نظرة المقدم ناصر بلهفة:
معنى هذا أن سيادتك توصلت للجاني؟
ليتبع ذلك بلهفة: من هو؟
المقدم ناصر، بثقة:
القاتل كشفته تفصيلة بسيطة يا تيسير، وما كان علينا سوى تحليل كل الأقوال واكتشاف ما هو صادق وما هو كاذب.
ليتابع في هدوء: القاتل كذب علينا في أقواله، وتم كشف كذب أقواله من خلال متابعة الكاميرا.
تيسير، في لهفة:
من هو؟
المقدم ناصر، بثقة هادئة:
القاتل هو فريد، فني الستلايت.
بمتابعة تسجيل الكاميرات بدقة، ورصد من دخل ومن خرج طوال اليوم، وكل التفاصيل كانت أمام أعيننا دون أن ننتبه لها.
وبالتدقيق لاحظت شيئًا غريبًا… بالطبع تتذكر يا تيسير أن فريد قال في أقواله إنه خرج صباحًا للعمل كعادته، وعاد وقت الدفن. صمت قليلًا قبل أن يقول لكن الكاميرا لم تسجّل خروجه صباحًا كما جاء في أقواله، بل بقي في شقته طوال الصباح حتى اكتشاف الجريمة.
نظر نحو تيسير، وقال:
هذا الاختلاف يكشف كذبه، ويؤكد أنه ارتكب جريمته، وظل مختبئًا في شقته حتى بدأ الهرج والمرج بعد اكتشاف الجريمة، ثم نزل مع الآخرين ليخفي أثره.
تيسير فاغرًا فاه في دهشة وهو يردد في ذهول كم أنت عبقري سيادتك.
المقدم ناصر: كل شيء واضح الآن… ولا تنسى يا تيسير أن التفصيلة الصغيرة دائمًا تكشف الأكبر.
تيسير، وما زال في غمرة ذهوله:
حقًا… كل هذا من مجرد تفصيلة صغيرة؟
المقدم ناصر، مصفقًا بيده بحزم:
بالضبط يا تيسير، لا توجد جريمة كاملة، وحتى أصغر التفصيلات قد تنقذك لتكشف الحقيقة كاملة، أردف قائلًا في ارتياح وحتى تتحقق العدالة على الأرض وعند الله تجتمع الخصوم.
تمت








































