ــــــــــــــــــــــ
ما إن دخل الحارس حتى بدا عليه الحزن وكادت الدموع تنهمر من عينيه، ليقول له المقدم ناصر:
أخبرني بكل ما تعرفه ولا تخفِ عني أي شيء، وهذا لمصلحتك.
الحارس، بخوف وحذر:
حاضر يا بيه، أنا متعود يا بيه أشوف طلبات المرحومة من الساعة التاسعة الصبح، وزي كل يوم خبطت عليها بس هي مفتحتش الباب ولا حتى ردت عليا، قلت أكيد لسه نايمة، ما هي برضه يا بيه ست كبيرة وصحتها على قدها.
المقدم ناصر:
بتقول إنك مريت عليها الساعة التاسعة، هل أنت متأكد من التوقيت؟
الحارس:
الكدب خيبة يا بيه، اليوم دا أنا تأخرت علشان كنت بشحن كرت الكهرباء للأستاذ عليوة اللي بالدور الرابع، علشان الكهربا فصلت عنده.
المقدم ناصر:
أنت ساكن فين؟
الحارس:
بالدور الأرضي، حضرتك، في غرفتين، واحدة ساكن فيها عم عبده المكوجي، والغرفة التانية غرفة الحارس ودي اللي أنا قاعد فيها.
المقدم ناصر، بتساؤل:
ومين عم عبده؟
الحارس:
دا راجل غلبان يا بيه ومقطوع من شجرة.
أردف قائلًا: عنده مكوه رجل قديمة، يوم يشتغل وعشرة نايم بالبيت، والناس بتعطف عليه.
المقدم ناصر:
من يقيم بالبناية غير الحاجة زينب والأستاذ عليوة وعم عبده؟
الحارس:
بالدور الأول شقة الحاجة زينب، الدور الثاني شقة عمال تتأجر مفروش بالشهر، ومفيش حد فيها اليومين دول غير الأسطى فريد اللي بيركب أطباق الدش.
الدور الثالث شقة الحاج سيد ومراته وبناتهم، والدور الرابع شقة الأستاذ عليوة.
هنا تبادل المقدم ناصر والملازم تيسير النظرات بشك وريبة، ليقول المقدم ناصر للحارس:
حسنًا، يمكنك الخروج الآن، ولكن أرسل لي {فريد} والحاج {سيد} وأستاذ {عليوة}، أريد استدعاءهم للإستجواب عقب الانتهاء من بقية الشهود.
أومأ الحارس برأسه وهو يقول:
أمرك يا سعادة البيه،
ومن ثم غادر المكان مهرولًا.
لينظر المقدم ناصر نحو الملازم تيسير نظرة ذات مغزى، وهو يقول:
ليدخل عامل المخبز.
من ثم يخرج بعدها تيسير بصحبة الحارس وهو يقول:
تعالى معي لنلقي نظرة بغرفتك وغرفة عم عبده.
ما إن خرجا حتى دلف للداخل شاب بنهاية العقد الثاني ليعرف عن نفسه أنه عامل المخبز.
المقدم ناصر، بعد تعارف قصير، سأله مباشرة عن سبب دخوله للبناية يوم الجريمة.
عامل المخبز، وهو يتصبب عرقًا:
أنا جيت للمرحومة زي كل يوم يا بيه، علشان أوصلها العيش هي وكل السكان.
المقدم ناصر:
إحكي لي اللي حصل بالضبط من وقت دخولك وحتى مغادرتك للبناية.
عامل المخبز:
الساعة كانت تمنية ونص يا بيه، وبعد ما وصلت العيش لعم عبده، طلعت بالعيش للحاجة زينب، حتى بالأمارة كان عندها ابنها {سعيد}، وصوتهم كان جايب آخر الشارع.
المقدم ناصر:
قصَدك كانوا بيتخانقوا؟ وباترى عرفت إيه سبب الخناقة؟
عامل المخبز:
زي كل مرة يا بيه، هو عايز فلوس وهي بتقوله مفيش، بس المرة دي غير كل مرة، هو كان متعصب أوي وبيقولها إن الفلوس من حقه، وبعد موتها هياخد كل حاجة.
المقدم ناصر:
وبعدين إيه كمان؟
عامل المخبز:
دا كل اللي سمعته يا بيه، وبعدها وصلت العيش للأسطى فريد والحاج سيد اللي فوق شقة المرحومة.
المقدم ناصر:
لمن أعطيت الخبز؟
شرد عامل المخبز قليلًا وبدا عليه التوتر، وهو يقول:
بصراحة مش فاكر يا بيه.
المقدم ناصر:
حاول تفكر.
عامل المخبز، بعد تفكير:
للحاجة زينب يا بيه، قبل أن يتراجع بسرعة وهو يقول:
لا لا، لإبنها، ومن ثم يشرد ويقول: والله مانا فاكر يا بيه.
المقدم ناصر، وهو يشيح عنه ببصره بعيدًا:
حسنًا، يمكنك الذهاب الآن، ولكن لا تغادر المنطقة، فربما نحتاجك مرة أخرى.
أردف قائلًا:
أخبر جارة الحاجة زينب أن تأتي.
ثوانٍ وتدخل الجارة وهي ترتجف من الخوف.
المقدم ناصر، وهو يرمقها بحدّة:
اسمك وسنك وعنوانك.
الجارة:
اسمي صباح يا بيه، عمري ٤٢ سنة، ساكنة بالعمارة اللي جنب عمارة المرحومة.
المقدم ناصر:
صباح، هذا اليوم دخلت للبناية، هل هذا صحيح؟ ولماذا؟
الجارة:
يا بيه، أنا بعتبر المرحومة زي أمي، وكل يوم بشقر عليها وأشوف طلباتها، كمان المرحومة بتعتبرني زي بنتها وبتحب تفطر معايا ونشرب الشاي سوا.
المقدم ناصر، وهو ينظر لعينيها مباشرة:
إيه اللي حصل يوم الجريمة؟ قولي كل حاجة ومتخافيش يا صباح.
الجارة:
أنا يا بيه صحيت من النوم، وفطرت جوزي، وطلعت العيال على المدرسة، وغسلت المواعين، ورتبت الشقة، وجيت للحاجة زينب على طول.
المقدم ناصر:
تفتكري الساعة كانت كام؟
الجارة:
يمكن الساعة كانت عشرة يا بيه.
المقدم ناصر:
وبعدين إحكي.
الجارة:
خبطت على الباب يا بيه، محدش رد، قعدت أنادي على الحاجة زينب، مفيش رد.
المقدم ناصر:
متنسيش إنك أنت من أبلغ عن الحادث يا صباح، فكيف حدث هذا؟
ظهر الارتباك عليها وتصبب وجهها عرقًا، وهي تقول بخوف:
ما أنا هقولك أهو يا بيه، أصل أصل أنا معايا نسخة من مفتاح الشقة.
المقدم ناصر:
ومعاكي نسخة ليه؟
الجارة، بخوف:
والله يا بيه، الحاجة الله يرحمها هي وبنتها طلبوا مني أخلي معايا نسخة، علشان المرحومة عندها ضغط وقلب وسكر، وممكن تجيلها غيبوبة سكر بأي وقت.
أردفت قائلة وسط دموعها:
والنبي ما عملت حاجة يا بيه.
أشار لها بالخروج وطلب منها إدخال ابن المرحومة.
ما إن دخل {سعيد} حتى قدم له المقدم ناصر التعازي في والدته، ومن ثم فاجأه بسؤاله:
لماذا تشاجرت مع والدتك صباح يوم الحادث يا سعيد؟
سعيد، وقد بدا عليه الحزن والندم:
كنت محتاج للمال بشدة، وهي رفضت تساعدني.
المقدم ناصر:
كنت محتاج للمال ليه؟
سعيد:
علي ديون كتير ومش عارف أعيش.
المقدم ناصر:
هل هددت والدتك بالقتل يا سعيد؟
سعيد:
لا يا بيه، محصلش، دي كانت خناقة زي غيرها كتير، وأنا بحب أمي وعمري ما فكرت أأذيها أبدًا.
المقدم ناصر:
عندما غادرت كان واضح عليك الارتباك والقلق، ممكن أعرف السبب؟
سعيد، وقد تساقطت دموعه، وهو يقول في خجل:
علشان… علشان…
من ثم صمت قليلًا قبل أن يقول:
علشان في لحظة غضب، وبعد ما تأكدت إنها مش هتعطيني أي فلوس، خطفت السلسلة من على صدرها ومشيت بسرعة.
المقدم ناصر، وهو يرمقه باحتقار:
تمام يا سعيد، ممكن تمشي، وأترك رقم التليفون، يمكن نحتاجك.
دخل الملازم تيسير حاملًا بين يديه ملفًا به بعض الأوراق، وهو يقول:
تحريات المباحث سيادتك عن الجريمة والمتهمون.
المقدم ناصر، وهو يشير لتيسير:
دعك من هذا الآن، وأحضر لي فريد والحاج سيد وأستاذ عليوة، إن كانوا قد حضروا، لأخذ أقوالهم قبل مغادرتنا.
دخل سكان البناية يعتريهم الخوف والقلق، رمقهم المقدم ناصر بنظرة ثاقبة، وهو يقول:
ليخبرني كل منكم خط سيره يوم الجريمة.
أردف قائلًا بلهجة حادة:
لا تغفلوا أي معلومة مهما كانت.
الأستاذ عليوة بدأ الحديث ليقول:
بهذا اليوم شعرت بالتوعك ولم أود الذهاب للعمل ولم أغادر الشقة أبدًا، ولم يلفت نظري بهذا اليوم وقبل اكتشاف الجريمة شيء إلا صوت الشجار بين المرحومة وابنها وصراخه الذي وصل إلى مسامع الجميع.
المقدم ناصر:
هل تود إضافة شيء آخر؟
الأستاذ عليوة، تردد قليلًا قبل أن يقول:
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتشاجرا فيها، وقد سبق له بشجارهما السابق تهديدها بالقتل.
صمت ليلتقط أنفاسه قبل أن يقول:
وهذا على مرأى ومسمع جميع سكان البناية.
المقدم ناصر:
حسنًا، يمكنك الانصراف الآن.
من ثم أشار للحاج سيد أن يتحدث.
ابتلع الحاج سيد ريقه بصعوبة، وهو يقول:
يتبع








































