في زمنٍ صار كل شيء فيه يُباع ويُشترى، ينسى بعض الناس حقيقة بسيطة وعميقة: أن أجمل ما في الحياة لا يُشترى بالمال، ولا يُنتزع بالقوة، ولا يُفرض بالنفوذ. بالمال تستطيع أن تشتري الاهتمام، لكنه اهتمام بارد مؤقت، وبالقوة تستطيع أن تفرض الخوف، لكنه خوف لا يصنع الاحترام. أما الحب، والاحترام، والطمأنينة، فهي عطايا تُمنح ولا تُباع، تنبت بين القلوب لا بين الأوراق المالية.
المشاعر الصادقة لا تكون مدفوعة الثمن، لأنها إذا فُرضت فقدت قيمتها، وإذا اشتُريت فقدت معناها. الحب يولد من كلمة طيبة، من قلب نظيف، من موقف إنساني، من احترام متبادل، لا من هدية باهظة الثمن أو سلطة تُرهِب الآخرين. والاحترام لا تصنعه المناصب، بل يصنعه حسن الخلق. والتقدير لا يأتي بالقهر، بل بالمواقف التي تبرهن للناس قيمتك الحقيقية.
وفي طريق الحياة سنكتشف أن ما يقربنا إلى الله، وما يجعل أرواحنا أكثر صفاءً… مجاني تمامًا. لا يكلف شيئًا سوى النية الصادقة. فالصلاة لا تحتاج مالًا، وذكر الله لا يستهلك رصيدًا، والابتسامة في وجه الآخرين هبة مجانية قد تُصلح يومًا بأكمله، والسلام والمحبة بين الناس لا تُشترى، بل تُزرع.
منح الخير مجاني: الاعتذار لا يكلف مالًا، والعفو لا يحتاج وساطة، وبرّ الوالدين لا يحتاج ثمنًا، وصلة الرحم لا تحتاج اشتراكًا، والكلمة الطيبة لا تُخصم من الراتب، ومجالس العلم والخير مفتوحة للجميع دون مقابل.
هذه كلها أعمال تضيف نورًا إلى الروح، وتزيد الحسنات، وترفع الإنسان عند الله وعند الناس دون أن يدفع شيئًا.
وفي المقابل، ما يبعد عن طريق الخير ويجرّ صاحبه إلى الذنوب… مكلف دائمًا. الذنوب لا تأتي بلا ثمن، بل لها ثمن باهظ يُدفع من المال أولًا، ثم يُدفع من السلام الداخلي، ثم يُدفع من العمر والبركة.
فالخمر تُشترى، والسجائر تُشترى، والزنا يحتاج مالًا، والقمار يهدر المال، وكل طريقٍ مظلم يحتاج ثمنًا ماديًا. وحتى الكذب يحتاج جهدًا ليُبرر ويُخفى، والظلم يحتاج سلطة ونفوذًا ليُمارَس، وأكل الحرام يحتاج تخطيطًا ومخاطرة. كل هذه طرق مُكلفة، تسحب من عمر الإنسان قبل جيبه، وتتركه مُفلس الروح.
وهكذا تتضح المعادلة: كل ما هو جميل… مجاني. وكل ما هو قبيح… مكلف.
الخير لا يطلب منك إلا قلبًا نقيًا، أما الشر فيسلبك الكثير حتى يأخذك إليه.
فلننظر حولنا جيدًا ونفكر: ماذا نختار؟ طريقًا لا يكلف شيئًا لكنه يمتلئ نورًا؟ أم طريقًا غالي الثمن، بطيء الظلام، فارغ النهاية؟
إن أعظم ثراء يبلغه الإنسان هو أن يمتلئ رصيده من الحب والاحترام والطمأنينة… وهي ثروة لا تُشترى إلا بحسن الخلق وجمال الروح.
ترى متى ندرك أن كل ما هو جميل لم يُخلق ليُباع، بل ليُرى؟ وما أكثر ما يُهدى لنا كل يوم، وما أقلّ ما نلتفت إليه. قد لا نملك قدرة تغيير العالم… لكن يكفينا أن نفتح نافذة الروح، فتنكشف لنا هداياه التي لم تتغير يومًا: الضوء، والهواء، والضحكات العابرة، والطمأنينة حين نحتاجها.
تذكّر… الجمال الحقيقي لا تنتظره، هو ينتظرك.








































