عندما أتممت تسعة أشهر من الحمل، وبقي يوم واحد فقط على ولادة طفلي "يوسف"، كنت أعيش حالة من الترقب والفرح الذي لا يمكن وصفه. كان الاسم جاهزًا منذ اللحظة الأولى، "يوسف"، نسبةً إلى نبي الله يوسف عليه السلام. في تلك الأيام، كنت أستمع يوميًا إلى سورة يوسف، أتدبر آياتها، وكأنني أجد فيها انعكاسًا لما كنت أشعر به من حب وأمل وخوف في آن واحد. كنت أنا وابنتي هاجر نعيش لحظات فريدة من السعادة، نبني أحلامًا حول قدومه وننقش أمانينا على قلب الزمن، منتظرين اليوم الذي سيملأ فيه يوسف عالمنا. مرت تلك الأشهر وكأنها نسجت بيد القدر حلمًا متماسكًا من الشوق. كنا نتحدث عنه ليل نهار، نتخيل تفاصيله الصغيرة، ضحكته الأولى، نبرة بكائه، وحتى ملمس يديه الصغيرتين وهو يتشبث بي. اشترينا كل ما يلزمه من صغير وكبير، بفرح غامر، وكأننا كنا نجهز لاستقبال أمير في مملكته. كل قطعة ملابس صغيرة كانت حكاية. كل تفاصيلها كانت تُناقش بفرح وحب، من لونها إلى خامتها. كانت الفرحة تسبقنا، حتى أيوب، ولدي الأكبر، كان يفرش ملابس يوسف كل يوم تقريبًا، ينظمها بعناية وكأنها لوحة فنية مكتملة التفاصيل. قبل يوم الولادة بيوم، كنا نجلس في غرفتنا نتحدث عن الغد. كنت أمسك بيدي حقيبة المستشفى، أتأكد من كل شيء، وهاجر تراقبني بعينين لامعتين. كانت تسألني: "أماه، هل تعتقدين أنه سيشبهك أم أبي؟" كنت أبتسم وأقول لها: "ربما سيكون مزيجًا من الجميع، لكنه سيكون يوسفنا، أروع مما نتصور." جاء يوم الأربعاء، وكان قلبي يخفق بشدة. طلب مني الطبيب مراقبة ضغط الدم يوميًا، فقد كان القلق يتزايد مع اقتراب الموعد. لكن تلك الليلة، لاحظت شيئًا مختلفًا؛ منذ صلاة المغرب لم أشعر بحركة يوسف. حاولت أن أهدئ نفسي، أقنعت نفسي بأنه نائم أو أنه يريح جسده الصغير استعدادًا للقاء الغد. ومع ذلك، لم أستطع تجاهل القلق الذي بدأ يتسلل إلى أعماقي. كنت أراقب كل دقيقة تمر، أحاول أن أتحسس أي حركة منه، لكن الليل مضى بصمت غريب، وكأنه يحمل سرًا لا يريد الإفصاح عنه. في صباح الخميس، استيقظت على نبضات قلبي المتسارعة. كان الضغط مرتفعًا بشكل مقلق. اتصلت بطبيبي فورًا، وما إن وصلت إلى العيادة حتى أصر على إجراء عملية فورية. كلماته كانت قاطعة: "حياتك وحياة طفلك في خطر." لحظة دخول غرفة العمليات، شعرت أني أترك خلفي كل شيء. كان صوت ابنتي هاجر يتردد في أذني: "أماه، لا تخافي، سننتظرك هنا." نظرت إلى عينيها للمرة الأخيرة قبل أن تُغلق الأبواب، وقلت لها: "كوني قوية، مهما حدث، تذكري أنني أحبكم." أثناء العملية، كنت أسمع أصوات الأطباء، أحاول فهم كلماتهم المتسارعة. رأيت وجه طبيبي يعكس قلقًا شديدًا. كان قلبي يدعو بصمت: "يا رب، لا تختبرني في يوسف، فارحمني وارحم ضعفي." شعرت بشيء غريب عندما سمعت صوت الآلة يشير إلى تدهور حالتي، وكأنني أعيش لحظاتي الأخيرة. تخيلت صوت يوسف، لكن ما كان إلا وهمًا. عندما أخبروني أن يوسف يعاني من صعوبة في التنفس، لم أفقد الأمل. لكن مع مرور الساعات، بدأت الحقيقة تظهر. لم يكن الوضع يتحسن. دخلت في حالة صمت طويلة، كنت أسمع همسات الأطباء وكأنها صدى بعيد، أشعر بالدموع تسيل على وجهي دون أن أستطيع إيقافها. عندما دخل أحبتي لزيارتي، لم أحتج إلى سماع أي كلمات. كانت عيونهم تحكي كل شيء. حاولت هاجر أن تكون قوية، لكنها انهارت بين ذراعي، قائلة: "أماه، الحمد لله على سلامتك، لا تحزني، فهو في مكان أجمل." كلماتها كانت كالسيف يخترق قلبي، لكنها كانت الدافع الذي جعلني أستجمع قوتي. عرفت أن الحياة تستمر، وأن يوسف سيبقى جزءًا مني، روحًا نقية ترفرف في أعماقي إلى الأبد. بعد أيامٍ من الصدمة، قرر الأطباء أن أخرج من العناية المشددة بعد أن تجاوزت مرحلة الخطر. كنت مرهقة جسديًا، لكن معنوياتي كانت في الحضيض؛ كانت روحي مستنزفة من الفقد والحزن والآلام التي ما زالت تتوغل في داخلي. ومع الانتقال إلى الغرفة العادية، وجدت أحبتي في انتظاري، وجوه حزينة متألمة وعيون باكية. يمثلون الفرح والحزن، يشق دواخلهم لينهمر من كل ملامحهم. بلهفة استقبلوني وببكاء تعانقنا، وحقًا حينها أحسست أن الله رزقني من نعمه الكثير، وهذه واحدة منها: حب الأهل والأحباب والأصحاب. تفحصني أخي الأكبر، وهو ممرضٌ في الأصل، وكانت المفاجأة التي كسرت السكون الذي عمَّ الغرفة، أنه انتبه لعلامة غريبة على ساقي، فارتبك ونادى الممرضات على الفور، ليكتشف الجميع أن هناك حرقًا من الدرجة الثالثة في أسفل رجلي. كانت قطعة من جلدي قد تضررت بسبب خطأ طبي، خلال الجراحة، حيث بقيت أداة وقف النزيف المستخدمة في العمليات لفترة أطول مما ينبغي على جلدي، ولم ينتبه لها الأطباء حينها لأن الجميع كان منشغلًا بإنقاذ حياتي. جرح جديد وألم آخر. صُعقت مما رأيت، لكن قلبي كان شبه متبلد من أثر الفقد، فلم يكن الألم الجسدي مؤلمًا بقدر ما كان ألمًا روحيًا يسحقني من الداخل. لم أكن قادرة على استيعاب ما يحدث حولي، شعرت وكأنني في دوامة من الكوابيس المتتالية، جسدي يحمل أوجاعًا متجددة وداخلي متكسر من شيء أكبر بكثير من الجراح الظاهرة. جاء وقت خروجي من المستشفى، اللحظة التي كنت أخشاها أكثر من أي شيء آخر. وقفت على باب المستشفى، وكنت أشعر وكأنني أخرج جسدًا عاد من الموت. رأني أهلي وأحبتي بوجوهٍ مليئة بالدموع وحزنٍ يفيض. لم تكن لدي القدرة حينها على التفاعل؛ داخلي كان يصرخ: "لا يحق لي العودة من دون ابني، لقد خرجنا معًا وأنا أعود لوحدي." فكرة العودة بخواء الحضن تفوق كل تصوراتي؛ كيف لي أن أخطو خطوات نحو البيت، ذلك البيت الذي كان من المفترض أن يملأه صوت طفلي؟ لكن ما تبقى مني مجرد أشلاء أم مكلومة. عندما وصلنا إلى المنزل، كان الجميع ينتظرني على الباب، وحين رأيتهم، تصمرت قدماي وكأنهما تقاومان الدخول، وكأنهما تصرخان: "أنا لا أريد العودة." كان الأمر أشبه باستقبال الجثة العائدة من الموت. رأيت أمامي الحياة تمضي، لكنني بقيت في المنتصف، ممزقة بين عودة مؤلمة وغياب لا يحتمل. حاول الجميع مواساتي، لكن لا شيء استطاع تهدئة ما بداخلي؛ بركان الحزن يكاد يفجرني من الداخل. ومع ذلك، لم أكن أملك إلا أن أقول: "أنا حامدة وشاكرة وراضية بالقدر"، لكنني لا أستطيع استيعابه؛ أن أعود من دون يوسفي. حين اقتربت من باب المنزل، شعرت بثقل الذكريات. كانوا معي ليقدموا لي الدعم، لكن بمجرد أن توقفت أمام الباب، كانت اللحظة مزيجًا من الرفض والقبول. تذكرت تلك اللحظات التي حملت فيها يوسف معي متلهفة لليوم الذي سأحمله بين ذراعي، والآن أعود وحدي. توقفت للحظات وامتلأت عيناي بالدموع، كدت أنهار، لكن دفعة زوجي على كتفي أعادت لي جزءًا من الأمان، فشعرت به يقويني ليحملني على مواجهة هذا الألم. دخلت المنزل ورائحة طفلي، رغم أنه لم يقضِ فيه وقتًا، كانت تحيط بي. كان الأمر أقسى من أن أتحمله؛ كل زاوية تذكرني به، رغم أن عائلتي حاولت إخفاء ملابسه وألعابه، إلا أنني كنت أراه في مخيلتي وأستحضر ملامحه التي لم أحظَ بها حقًا. شعرت وكأنني أحيا في كابوس متجدد؛ أنظر إلى سريره الفارغ فأرى وجهه، أرى ضحكته، وأسمع صدى صوته الذي لم أسمعه أبدًا. كانت الليالي طويلة وأصعب من أن تنتهي، لكني لست وحدي. زوجي الذي رأى في وجعي مرآة لألمه، حملني بحنان وصبر، وأحاطني بعطفه يخفف عني ألمي بحبٍ لا يوصف. كان يذكرني دائمًا أننا مررنا بما هو أقسى، وأن الحياة تستمر. لم يكن الأمر سهلًا عليه أيضًا؛ فقد فقد جزءًا من قلبه، لكن قربه جعلني أتمسك بالبقاء، أستمد منه القوة لأتحمل وأكمل رحلة الحياة. لم يكن مجرد شاهدٍ على الألم، بل كان شريكًا صادقًا في المعاناة، يختبر الحزن بعمق لا يقل عن عمق ألمي. رأى الدموع التي كنت أخفيها عن الجميع، سمع صوت الانكسار في صمتي، وشعر بمدى الثقل الذي حملته روحي. كان يرى كيف يمزقني فقدان يوسف، وكيف يجعلني الحزن أحيانًا كأنني في عالمٍ آخر بعيد عن كل ما يحيط بي، ورغم ذلك لم يتخلَّ عني لحظة. بل أصبح الحصن الذي احتميت به من كل تلك المشاعر الجارفة؛ كان يمسك بيدي في أشد لحظات ضعفي، وفي كل مرة كنت أشعر أنني أكاد أسقط، كان يشد عليَّ بحنانٍ يعيد لي الأمل. لم أكن أحتاج للكلمات، فقط حضوره كان كافيًا ليطمئن قلبي ويشعرني أنني لست وحدي. قربه ودعمه ودفؤه هو السبب الذي أعادني للبقاء. كما أنني أدركت أنني لم أكن وحدي في هذا الألم، بل كنت محاطة بنعمة عظيمة من الله تمثلت في أحبتي الذين وقفوا بجانبي في كل لحظة ولم يتركوني. أمي الغالية التي حملت عبء معاناتي على كتفيها، كانت تشعر بوجعي كأنها تلامسه بيديها، لم تتوانَ يومًا عن دعمي بحبها وصبرها. وإخوتي الذين قاسموني كل ثانية من ألمي، كان وجودهم كالبلسم الذي يهدئ الآلام المتجذرة. أطفالي عاشوا حزنًا عميقًا، ليس فقط بسبب فقدان يوسف، بل أيضًا لرؤيتهم أمهم تتهاوى كجثة محطمة. كان حزنهم على يوسف مختلطًا بحزنهم عليّ، كانوا نورًا صغيرًا يضيء حياتي ويعيدني إلى الواقع. حب الجميع كان زادي في هذه المحنة، هو الذي منحني الشعور بأني لست وحدي، وأن هناك قلوبًا كثيرة تحمل همي، وتدعو لي، وتحتضنني بمحبتها. في قلوبهم وجدت العزاء، وبهذا الحب الذي يحيط بي كسياجٍ حامٍ، استطعت أن أقف مجددًا، أن أرى النور وسط الظلام، وأن أمضي رغم ثقل الفقدان، وأن أعود إلى قيد البقاء، وأعيش بآلامي، وأتعايش مع جروحي النازفة؛ لأن الحياة تستمر مهما توالت المعاناة. ومع مرور الأيام، تبقى معاناتي راسخة في أعماقي، في زاوية عميقة من مكنوناتي التي لا يعرفها سواي. وكلما أتى ذلك اليوم من السنة، يعود الحزن ليغمرني مجددًا، وتفتح الجروح التي اعتقدت أنها اندملت. في ذلك الوقت، يحيط بي الألم المدفون في سمائي، ويظل الأسى يرافقني وحدي دون أن يلحظه أحد. ولكن بفضل الله، يمضي ذلك اليوم كما تمضي كل السنين، ويستمر الزمن في دورتها المعتادة. وفي نهاية كل تأمل، أعود لأشكر الله على ما مررت به، وأحمده على لطفه ورحمته التي غمرتنا جميعًا. أتذكر ما كنت عليه، وأتطلع إلى ما سأكون عليه، وأطلب من الله مغفرته وعفوه، فهو أرحم الراحمين. ويبقى يوسفي ذكرى في حياتي، وحلمًا انتهى قبل أن يولد. يظل اسمه يتردد في قلبي، كصدًى لم يُكتب له أن يتحقق، لكنه سيبقى
وداعاً يوسفي
- 🔻
-
- بقلم: اسماء بنت الحسين بن ادريس خوجة
- ◀️: مدونة اسماء خوجة
- الزيارات: 62
- رقم التوثيق: 29880








































