في داخل كل منا غرفة مقفلة على سرٍ لا يبوح به، غرفة لا تسمع إلا نبضة قلبٍ تتوق للصدى، وترى في ظلالها وجوهًا لم تُقبل أن تُرى. هناك، حيث لا صوت إلا صدى السؤال: ما الذي يجعل للكلمة ثقلًا، وللصمت وقعًا؟ حين ينكسر ما بدا قويًا، ويخفّ ما بدا ثقلًا، يبقى الخاطر وحده ذلك الضيف الخفي يرثي ذاته في صمتٍ ملغز، ويبحث عن من يلمّ شتاته ويعيد إليه شظاياه بلمسةٍ خفية… لا بالكلمات الجميلة فحسب، بل بجبرٍ ينبع من عمق الوجدان قبل اللسان.
جبر الخواطر ليس فعلًا بسيطًا أو مجاملة عابرة، إنه فن الإحساس بالآخر دون أن يُخبرك بما يكنّه في قلبه. هو قراءةٌ عميقة لنبضٍ صامت، ومؤازرةٌ بلا لفتٍ للأنظار، ومواساةٌ بلا شروط.
في عالمٍ يموج بالمصالح والأنانية، يبقى جبر الخواطر أشبه بشعيرة إنسانية راقية تمكّننا من إعادة الروح إلى من كاد أن يفقدها بين قسوة الحياة وصرامة الأيام.
قد ينهار الإنسان فجأة، لا بألمٍ ظاهر، بل بهدوءٍ كئيب… كأن ألف سهمٍ صغيرٍ قد اخترق روحه من الخلف. حينها يصبح كل حرف أداة ناجية أو سيفًا جديدًا. فالكلمة الطيبة قد تُعيد للحياة معناه، والكلمة الجارحة قد تُدمي ما لم يؤلمك يومًا. لذلك كان الأديب المصري نجيب محفوظ يُذكّرنا بأن: "الخوف لا يمنع الموت… بل يمنع الحياة"؛ فالحياة تحتاج أن تُحيا، والبشر يحتاجون من يلمس قلوبهم قبل آلامهم.
ليس كل ما يقال يُسمع، وليس كل ما يُقال يُلامس. أحيانًا يكون جبر الخاطر هو السكوت عندما يفيض الكلام وجعًا، الاستماع بلا نقد، الإحساس بلا فضول، والوقوف بلا انتظار مقابل. كما قال نجيب محفوظ أيضًا: "يمكننا تمييز ذكاء الإنسان من إجاباته… وحكمته من أسئلته" فجبر الخواطر ليس إجابة جاهزة… بل هو سؤال بلطف يُعيد للآخر رؤيته ذاتَه من جديد.
ما قد يراه البعض تفصيلة صغيرة… قد يكون في حد ذاته عالمًا لمن يحتاج جبر خاطره: كلمة طمأنة، نظرة تقدير، رسالة بسيطة في وقتٍ غير متوقع، أو حتى صمت يظهر الاحترام للوجع. في هذه اللحظات، يصبح الإنسان أمامه خياران: أن يُعمّق جراح الآخرين بحكمٍ غير لطيف، أو أن يجبر خاطره بالكلمة المناسبة والنية الصادقة. وهنا يبرز الفرق بين من يعرف الكلمة فقط… وبين من يعرف قيمة الكلمة.
وللإسلام موقف رفيع من هذا الخلق النبيل، فقد حثتنا نصوص الشرع على العطف على المحتاج، ومواساة المصاب، وإدخال السرور على قلوب الناس حتى لو بلفظٍ بسيطٍ أو عملٍ صغير، وذلك ما يقصده الناس بـ "جبر الخواطر"
النبي صلى الله عليه وسلم كان أرحم الناس بالناس، وقد جُبِرَ خاطره في أكثر من موقف، وَصِفَ الله تعالى نبيه فقال: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فكان رحيمًا، حريصًا على قلوب الناس ومشاعرهم.
كما ورد في القرآن قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}، وهذه الرحمة في التعامل مع الناس رمز لجبر الخواطر والتلطف في المعاملة. ومن السنة أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا ألا نقلل من أعمال الرحمة مهما كانت صغيرة، فقال: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" فإن حتى ابتسامة بسيطة تُعد صدقة وسببًا في إدخال الطمأنينة إلى القلب. الإحسان واللطف في القول والفعل يجبران خواطر الناس ويثبتان الألفة بين القلوب.
المفكر المصري صلاح عبد الصبور يرى أن الداخل أعقد من الخارج، فقال: "أنا لا أمتلك الحزن… بل أمتلكه كمنشّط لتحقيق تجددٍ ذاتي وآفاقٍ أرفع وأكثر وعيًا". هذا يذكرنا بأن الألم حين يُفهم يمكن أن يصبح سببًا في اكتشاف معنى أعمق للحياة، وبالتالي يكون جبر الخواطر تجسيدًا لوعي يفهم أعمق من الندبات.
في النهاية، جبر الخواطر ليس ترفًا أو فعلًا شكليًا… بل هو قصيدة تُقرأ في أعماق القلب دون كلمات واضحة. هو تقديم الأمان لمن خاف، والسكينة لمن تشرّدت بقايا روحه، والاعتراف لمن لم يجد من يرى ما بداخله. فلنجعل من جبر الخواطر عادة نائية عن السطحية، ومشروع إنساني نحمله فينا بلا تظاهر، حتى نعي أنّ أجمل ما يُمكن أن نقدمه للإنسان ليس النصيحة دائمًا… بل أن نكون سببًا في إنعاش روحه بإنسانيتنا.








































