ليست كل النسخ التي نعيش بها مرئية.
هناك نسخةٌ منك لا تقف أمام المرآة، ولا تظهر في الصور، ولا تُجيد الدفاع عن نفسها حين تُساء فهمها. نسخة تعيش في الهامش، تتقن الصمت أكثر مما تتقن الكلام، وتحمل أثقالًا لم تُمنح حق الشكوى عنها. هي النسخة التي تنهض كل مرةٍ بعد الانكسار دون تصفيق، وتواصل الحياة وكأن شيئًا لم يكن، بينما كان كل شيء قد تغيّر من الداخل.
تلك النسخة لا يعرفها أحد، لأنها لا تطلب أن تُعرَف. لا تشرح وجعها، ولا تُدوّن انتصاراتها الصغيرة، ولا تلوّح بما خسرته. نسخة تتقدّم بك خطوة إلى الأمام، بينما تظل هي خلف الستار، تدفع الثمن كاملًا وتختفي. ولو كان للصدق شكل، لكان في ملامحها التي لم يرها أحد.
هي التي تتحمّل العبء حين تتعب النسخ الأخرى. حين تبتسم مجاملة، تكون هي من يبتلع الخيبة. وحين تقول "أنا بخير"، تكون هي من يجمع الشظايا بسرعة كي لا يراها أحد. لا تفاوض على دورها، ولا تطلب تفسيرًا لما يحدث، فقط تُكمِل… لأن التوقّف رفاهية لم تُمنَح لها.
تعرف هذه النسخة متى تصمت، لا لأن الصوت يخونها، بل لأن الحقيقة أحيانًا تُهدر حين تُقال في وقتٍ خاطئ. تعرف متى تتراجع، لا ضعفًا؛ بل حفاظًا على ما تبقّى من كرامة لم تعد تحتمل الخدش. تتحمّل سوء الفهم كأنه ضريبة، وتغفر بصمت، لا لأن الآخر يستحق، بل لأن الاستمرار في الغضب يُرهقها أكثر.
الناس يرون ما نُظهِر، لا ما نُدارِي. يرون النسخة المتماسكة، القادرة، التي تُنجز وتستمر. ولا يرون تلك التي سَهِرت طويلًا لترميم روحٍ أنهكها الإنكار. لا يرون عدد المرات التي انهارت فيها ثم أعادت ترتيب نفسها في العتمة، وخرجت صباحًا بملامح عادية، كأن الليل لم يمرّ من هنا، وكأن الخسارة لم تترك أثرها في الداخل.
المفارقة أن أثمن ما فيك، هو أكثر ما أُهمل. أن أصدق نسخة منك، هي الأقل حضورًا في ذاكرة الآخرين، لكنها الأكثر إخلاصًا لك. لولاها، لما تجاوزت ما ظننت أنه لن يُتجاوز، ولا واصلت الطريق حين كان الرجوع أسهل، ولا احتملت نفسك حين ضاق بك كل شيء.
وربما لن يراها أحد…
وربما لن تُكافأ، ولن تُفهم، ولن تُنقَذ.
ستبقى هناك، تعمل في الظل، وتُصلِح ما لا يُقال، وتدفع الفاتورة كاملة ثم تختفي.
وفي يومٍ ما، حين تسقط فجأة دون إنذار، لن يعرف أحد ماذا سقط بالضبط…
سيقولون: لم يكن هناك ما يوحي بكل هذا.
وسيكون هذا هو الدليل الوحيد على أنها كانت موجودة طوال الوقت.








































