هناك أشياء لا تُكسر فجأة، بل تتآكل ببطء، في صمت، حتى تختفي دون صوت إنذار.
خسائر لا تترك أثرًا واضحًا، لكنها تغير شكلنا من الداخل، وتجعلنا نعيش وكأن شيئًا ناقص… دون أن نعرف ما هو.
ليست كل الخسارات صاخبة.
بعضها يحدث بهدوء مخيف، دون جنازات، دون وداع، ودون دموع واضحة.
خسارة لا يلاحظها أحد، لأنك ما زلت واقفًا في مكانك، تبتسم أحيانًا، وتؤدي ما عليك… لكن شيئًا في الداخل انسحب دون أن يُغلق الباب خلفه.
الخسارة التي لا تُرى هي أن تفقد نفسك تدريجيًا.
أن تتنازل مرة بدافع الحب، ومرة بدافع التفاهم، ومرة لأنك لا تريد أن تخسر أحدًا… إلى أن تكتشف متأخرًا أنك كنت الشخص الوحيد الذي تخسره في كل مرة.
هي أن تصمت ليس لأنك اقتنعت، بل لأن الكلام أصبح بلا جدوى.
أن تؤجل وجعك، وتضعه على الرف، وتقول "ليس الان" بينما هو يتمدد داخلك بهدوء، ويعيد تشكيلك على مقاس لا يشبهك.
الخسارة التي لا تُرى لا تأتي بضربة واحدة، بل بسلسلة تنازلات صغيرة لا تُحسب.
نظرة تجاهل، وعد لم يُنفذ، حضور ناقص، اهتمام متقطع…
أشياء تبدو بسيطة، لكنها مع الوقت تصنع فراغًا كاملًا.
أخطر ما في هذا النوع من الخسارة أنك لا تملك دليلًا عليها.
لا أحد أساء إليك بشكل مباشر، ولا حدث شيء يمكن أن تشير إليه وتقول: "هنا بدأت أُكسر".
كل ما هناك أنك لم تعد كما كنت، ولم تعد تعرف متى تغيرت؟.
نخسر حين نُجبر أنفسنا على البقاء في أماكن لا تُشبهنا.
حين نبرر غياب الآخرين أكثر مما يبررون حضورهم.
حين نتحول إلى نسخة هادئة زيادة عن اللزوم، لأن التعب استهلك قدرتنا على الاعتراض.
الخسارة التي لا تُرى مؤلمة لأنها بلا شهود.
وجعها لا يجد من يصدقه، حتى أنت أحيانًا تشك في أحقيتك به.
تسأل نفسك: هل أبالغ؟ هل أنا حساس أكثر من اللازم؟
ولا تعلم أن السؤال نفسه دليل على أنك تأذيت بما يكفي.
والحقيقة القاسية…
أن بعض الخسارات لا تكون في أشخاص رحلوا، بل في أجزاء منك لم تعد قادرة على الرجوع كما كانت.
ثقة نقصت، شغف خفت، روح كانت تُقبل على الحياة، فأصبحت تتحسس خطواتها.
لكن إدراك الخسارة هو أول نجاة.
أن تُسمي ما حدث باسمه، أن تعترف أنك خسرت شيئًا مهمًا، حتى لو لم يره أحد.
فما يُرى يمكن تعويضه أحيانًا…
أما ما لا يُرى، فلا يعود إلا حين تقرر أن تسترد نفسك، قبل أي شيء آخر.
الخسارة التي لا تُرى…
هي حين تبقى، لكنك لا تعود حاضرًا بالكامل.








































