-لاتفلسفوا الأمر كثيرا عندما تجدون شجرة تنبت وسط الدمار هي مجرد بذرة وجدت شروطاً مناسبة للانتاش ، و لاتعني ماتغدقونه عليها من مصطلحات الأمل والتفاؤل والعطاء ، هذه كلمات فارغة لامعنى لها .
بهذه الكلمات تقنع وريدة زبائنها بأهمية ارتيادهم لمقهاها.
وتضيف في غير مناسبة:
- لاتفلسفوا مساعدتي لكم، أنا امنحكم ما أملك تقديمه ، امنحكم الأمل، أعيد لكم الرغبة فى الحياة.، وانتم تمنحوني ما أنا بحاجته، المال .
هكذا تردد دائما وهي تستقبلهم في نزلها الصغير اللائذ خلف جميزات منزويات على طريق الشحن السريع . يتوقف عندها السائقون للاستراحة ، يتناولون الطعام والشراب، يبيتون ليلتهم ، ثم يمضون في طريقهم ، قد يعودون وقد لايعودون؛ اعتادت على دخول وجوه جديدة كل يوم ،وجوه أخرى صارت ملازمة للمكان ؛ تعبر كل مرة تسافر فيها و لا تقطع عادتها، فالمكان رغم تواضعه مريح هادئ؛ فيه أنفاس وريدة الطيبة وطعامها المنسم بالحنان .
عندما عبر وجهه كان غريباً ؛ وميزت هي فوراً أنه ليس من فئة الناس التي يروقها مقهاها .رحبت به، بالغت في اكرامه صنعت له طعاماً خاصاً، و أثنت بينها وبين نفسها على حسها النابه في تمييز الشخصيات ، فلم يكن سائق شاحنة ؛ كان عابراً ضل به الطريق، وخذله بنزين سيارته المرسيدس الذي نفد وهو يحاول الوصول الى الطريق الصحيح .
اضطر أن يبيت ليلته عندها . لكنّ النوم جافاه، فساهرته تحدثه ويحدثها، ساعدته في حل مشكلة السيارة وأرشدته للطريق .ومضى .
قال وهو يخفض صوته ولاينظر إلى محدثه:
قد تبدو لك قصة معتادة عن نزوة عابرة وغدر، لكنها ليست كذلك .
تابع :
- صار نزلها نقطة توقفه الأثيرة وهو يسافر بين مدينته وبين مركز فرعي لعمله يعقد فيه اجتماعات لعمّاله كل شهر .
كانت تعرف وقت حضوره فتعد له غرفته وطعامه و لوازم السهرة التي يحبها .
بدأت تهتم لملابسها وشعرها وكحل عينيها،
اجتهدت في تحسين المكان وتجميله بالنباتات الخضراء والأزهار الملونة ومفارش الطاولات المشغولة بيدها.
صار يعرف قصة كل تفصيل وكل زاوية وكل غطاء طاولة .
تنهد وأضاف :
-" الدفء الذي دغدغ حواسه والجمال الهادئ جذبه مرة بعد مرة ، وصارت وريدة أنيسة لياليه. تشعلها بالثوب الذي أهداه لها؛ ثوب صغير ناعم مشغول بالترتر وردي اللون .
ردد بلوعة هامسا:
- ذلك الترتر الوردي !
تنهد وأضاف:
في مرة جاء على غير موعده ؛ كان ثوب الترتر ملقى على سريرها يعكس أضواء الصالة التي جددتها وأضافت لها المزيد من المصابيح الملونة.
صرخ وهو يلقيه بوجهها :
لم هذا الشيء خارج الخزانة؟
قالت وهي ترتعش:
- كنت أعدّه لمجيئك .
-" لكنك لاتعرفين أنني قادم"
- خمنت أنك ستأتي.
- لا أطيق الكاذبات.
أدار ظهره خارجاً
همست باكية:
- أنا أحمل طفلك في أحشائي.
رماها بنظرة قاتلة
وكز على أسنانه قائلا:
- وما أدراني أنه طفلي.
ومضى. تاركا إياها في صدمة ملتاعة.
اختفى ولم يعد ،
لكن هذا المكان كان محطة مراقبته المستمرة ويأتي بنفسه كل شهر يركن سيارته خلف الجميزات ويراقب تكور بطنها.
في نفس اللحظة التي وضعت فيها مولودها، حضر، حمل الطفل دون أن ينظر إليها، وهي لم تنطق بكلمة ثم غاب للأبد.
فتحت وريدة أبواب مقهاها على أربع الجهات ،خصصت يوماً مجانيا لمن يجلب لها خبراً عن ابنها. ذوى عودها لكن أملها لم يذو. وهو لم يفوت مراقبتها كل شهر بذات الموعد ومن نفس المكان.
وراء الجميزات العجوز رفع بلور سيارته المرسيدس، تنهد كمن ركض طويلاً ؛ قال للشاب الذي يجلس مشدوهاً إلى جانبه:
- " اذهب إليها، قل لها أنك ابني الوحيد
اذهب !
ناوله ثوباً قديماً من الترتر الوردي.
رمى ببصره لعجوز جميلة حدباء بغطاء رأس مائل للأمام ، من صفحة وجهها تبرز عظام خديها.
وبيدين مرتعشتين تمسح الطاولات وتنظر من فرجة الباب إلى شجرات الجميز بين الفينة والأخرى .
نزل الشاب بينما
أدار هو محرك السيارة، لمعت في زاوية عينه دمعة صامتة.








































