لم يطلبني، ولم يُنادِني،
لكنني وجدته يسكن فيّ كما يسكن النور ظلَّه،
هادئًا، ثابتًا، لا يُجادل،
كأنّ له فيَّ حقًّا قديماً لا أذكر متى بدأ.
كنتُ قبله كثيرة الحذر،
أُحسن الهروب، وأُتقن الصمود،
ثم أطلَّ عليّ بعينيه، فانكشفت كلّ الحواجز دفعةً واحدة،
كأنّني كنتُ أنتظره لأسقط بسلام.
لا أدرى كيف امتلك صمتي،
ولا كيف صار حضوره راحتي،
لكنه كان... كما النسمة حين تمرّ على صدرٍ ضاق تنفّسُه،
تُرمّمه دون ضجيج.
لم يقل شيئًا،
ومع ذلك، كلّ ما حولي نطق باسمه.
هيبته ناعمة، وصوته يجيء من عمقٍ أعرفه ولا أذكره،
وكأنّنا التقينا من قبل، فى حياةٍ سابقة، أو حلمٍ أبطأ من اليقظة.
كنتُ أظنّ أنني لا أُخضع لرجُلٍ بعد الآن،
لكنني أمامه لم أشعر بالهزيمة،
بل بالسكينة.
أحببتُه لا لأنّه قوي،
بل لأنّ قوّته سمحت لي أن أضعف دون خوف.
هو لا يقول “تعالي”،
لكنه يجعل كلّ الطرق تميل نحوه،
ولا يطلب،
لكنه يترك في روحي إشاراتٍ لا تُخطئها عين العاشق.
حين يغيب،
يترك في المكان عطراً من صمته،
وفيّ وجعًا يشبه الخشوع،
أعبث بالكلمات لأراه بين السطور،
وأبتسم كأنني لم أفقد شيئًا،
بينما أنا أفقده كلّ يوم.
هو الأمان الذى لا يُشرح،
والخطر الذى لا أهرب منه،
السكينة التى تخيف،
والوجع الذى يُريح.
لم أخضع له...
بل ذُبتُ إليه كما تذوب الحروف في القصيدة،
وكما تتدلّى النجمات على كفّ ليلٍ يعرفها بالاسم.
ولو يعلم...
كم أُحبّه بصمتٍ متعب،
كم أحمله في قلبى كآيةٍ سرّيةٍ لا تُتلى،
كم أراه فى غفلتى قبل وعْيي،
لكان علم أن الخضوع له...
لم يكن ضعفًا،
بل إيمانًا.








































