آخر الموثقات

  • آخر عرفة
  • الرجل عندما يحب .. لا يوقفه الحديد
  • كريهة ولكن
  • وداعا يا وحيدي
  • العزيز كمال…
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة آمال صالح
  5. بائعة الوقت
  • موضوع: عالي الجودة
⭐ 0 / 5

 أنا بائعة الوقت، وتلك طاولتي القديمة. أفرد سجادتي الصغيرة على الأرض الإسمنتية، أضع فوقها منبهًا مكسورًا، وساعة رملية تشكو ضيقها، وإطارًا خشبيًا لصورة بلا ملامح.

 

يمر الناس بجواري، يتأملون معروضاتي ولا يشترون شيئًا. يبتسم البعض ساخرًا: – من يشتري وقتًا ميتًا؟ أضحك، أخلع قفازي البالي، وأكشف عن كفٍ يابسٍ متشقق، فيه خطوط عمرٍ لم يكتمل.

 

أنا لا أبيع الوقت فعلاً، بل أعرضه فقط. أمدّ للمارّة تجارب مرت كريح الخريف: قصص من فرّطوا في دقات قلوبهم، نساء غزلن أعمارهن في ضوء الشاشات، ورجال دفنوا سنواتهم في صناديق بريد إلكتروني.

 

أحيانًا يأتيني طفل صغير، يسألني: – هل أستطيع استعارة دقيقة واحدة فقط؟ أهز رأسي مبتسمة، وأمد له كفّي: – خذها، لكن احذر، الدقيقة حين تذهب لا تعود.

 

ذات يوم، مرّ بي رجلٌ مغطى برائحة الكافور. كان يحمل صندوقًا شفافًا مملوءًا برسائل لم تُقرأ. جلس بجانبي بصمت، أخرج من جيبه ساعة جيب مكسورة وقال: – أضعتها حين ماتت أمي. أجبته همسًا: – لم تضيعها، بل جمّدتها على لحظةٍ لم تتجاوزها.

 

نظر إليّ، وكأنه لأول مرة يرى الزمن امرأة… امرأة لا تشيخ، لكن وجهها ينعكس في كل تجعيدة على جبين عاشقٍ نسي أن ينسى.

 

قال بصوتٍ مشروخ: – كنتُ أؤجّل البكاء… كنت أُخبّئه لأوقات الفراغ، حتى امتلأ العمر به.

 

أجبته وأنا أرتّب الرمل في ساعتي، كأنني أمسّد على رأس حكاية: – من يدّخر البكاء، يفيض به في الوقت الخطأ.

 

ناولني واحدة من رسائله. كانت مطويّة برعشة أصابعه، ومختومة بختمٍ مائيّ يشبه الدموع.

 

فتحتها ببطء، كما يُفتح باب قديم في بيتٍ مهجور، ففاحت منها رائحة ياسمينٍ ذابل، ومفرداتٌ ترتجف وكأنها كُتبت على عتبة الرحيل.

 

قرأتها بصمت، ثم نظرت إليه: – كتبتَ لها كثيرًا، لكنك لم تكتب لنفسك رسالة واحدة.

 

ردّ وعيناه معلقتان بمنبهي الصامت: – لا أعرف كيف أكتب لنفسي… كلما بدأت، سمعت صوتها تناديني باسمي الصغير.

 

كان الوقت على الطاولة يئنّ، وكل قطعة فيه تحكي ألمًا مختلفًا: المنبّه يشهق دون جرس، الساعة الرملية تتثاءب كأنها فقدت الرغبة في الحركة، والصورة التي بلا ملامح بدأت تتكوّن شيئًا فشيئًا… امرأة تشبه كل الأمهات اللواتي رحلن دون وداع.

 

همس لي: – خذيني إلى لحظة واحدة فقط… قبل أن تتركنا.

 

قلت له وأنا أرتب غطاءه على كتفيه: – لا أملك آلة زمن، بل ذاكرة تختبئ في جيوب الكلمات. احكِ لي، وسأعيدك إليها بطريقتي…

 

أغمض عينيه، وصار صوته أقرب إلى النشيج: – كانت توقظني برائحة الخبز… وتعاتبني بصوتٍ يشبه صلاة الفجر. – كانت تقول: "عش وقتك، لا تكن مجرد شاهد قبر في يوم طويل".

 

وحين صمت، ناولته الساعة الرملية.

 

قلت له: – اقلبها…

 

فعل، وبدأ الرمل يتساقط… لكنه لم ينزل كالمعتاد. بل كانت كل حبة، تحمل صورة: يد أمّ تمسح على جبينه، ضحكة صغيرة على باب المدرسة، وردة يابسة داخل مصحفها، وصورة له طفلًا يركض نحوها وهو يصرخ: "ماما… استنيني!"

 

بكى، ولأول مرة شعرت أن الطاولة لا تكفي لعرض كل هذا الحنين.

 

مددت له كفّي المتشققة، فقبّلها كما يُقبَّل التاريخ على جبينه، وقال: – لم أكن أعلم أن الزمن أنثى… لكنني الآن صدّقت أمي حين كانت تقول: "لا تجرح الوقت، فإنه أنثى… تغضب بصمت، وتنتقم بنسيانك."

 

نهض، أخذ ساعة الجيب، ووضعها على الطاولة بين معروضاتي، وقال بابتسامةٍ شاحبة: – دعيها هنا… فقد استرددت وقتي، ولو للحظة واحدة فقط.

 

ثم مضى… وبقيتُ أنا، أجمع فتات وقته، وأرتّبها في قلب الساعة التي بلا عقارب.

 

في صباحٍ خريفيٍّ خافت، كنت أعدّ تشققات كفي كما يحصي المحكوم أيامه الأخيرة. الباعة من حولي ينادون على الفاكهة، على الأحلام المخفضة، وأنا ما زلت ألوّح بسلعتي الوحيدة: الوقت المُهدر.

 

جاءني هو… طفل صغير، في عينيه وسع المجرة، وفي جيبه قطعة خبزٍ نصف مأكولة.

 

– "هل ما زال عندك دقيقة؟" قالها وهو ينظر إلى الساعة الرملية، كأنها قنديل علاء الدين.

 

انحنيت إليه، وأخرجت من جيبي رماد لحظةٍ لم يعد أحد يطلبها. ناولته إيّاها: – "خذها، لكن تذكّر… الدقيقة ليست لعبة، إنها نجمة تُطفأ إن أهملتها."

 

قبض على الرمل كما يقبض طفلٌ على جناح فراشة، وقال بصوتٍ يغلبه الرجاء: – "أمي تبكي كثيرًا… أريد دقيقة فقط، أقول لها: بحبك."

 

أطرقت رأسي، ولامسني الكلام كما تمس النار طرف إصبعٍ نائم.

 

أجبته: – "إن كانت تلك الدقيقة ستُنطق حبًا، فهي أثمن ما لدي."

 

ركض، وصوته يتردد في زقاق الزمن: – "مامااا… استني، عندي دقيقة ليكي."

 

وتركتني دمعةٌ وحيدة تحفر مسارها في خدّي اليابس.

 

عدتُ إلى طاولتي، ألملم الرمال المتبقية، وأفكر: ربما أنا لست بائعة وقت، بل مُنقذة لحظات.

 

مرت أعوام… والأرض الإسمنتية لم تتغيّر، سجادتي المهترئة صارت أكثر صمتًا، والمنبّه المكسور ما زال يصرخ من الداخل دون صوت.

 

في ذلك اليوم، اقترب مني رجلٌ يلبس بدلة رمادية… عادي جدًا، كأيّ مارٍ لا يملك نية الشراء.

 

لكن عينيه… كانتا مألوفتين، كأنني رأيتهما ذات زمن، حين كانتا تتسعان لكل شيء… حتى الدقيقة المسروقة.

 

وقف أمام طاولتي بصمت، ووضع شيئًا على السجادة… ساعة يد. جديدة. تدق.

 

وقال: – "أردتُ أن أُعيد الدقيقة."

 

نظرت إليه… وابتسمت.

بادج إحصائيات متنوعة - مركز التدوين

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1140
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب715
4الكاتبمدونة ياسر سلمي683
5الكاتبمدونة اشرف الكرم644
6الكاتبمدونة مريم توركان575
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني443
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين438
10الكاتبمدونة حاتم سلامة431

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب399332
2الكاتبمدونة نهلة حمودة262293
3الكاتبمدونة ياسر سلمي230120
4الكاتبمدونة زينب حمدي186953
5الكاتبمدونة اشرف الكرم168232
6الكاتبمدونة سمير حماد 134314
7الكاتبمدونة حنان صلاح الدين126829
8الكاتبمدونة مني امين125474
9الكاتبمدونة طلبة رضوان124814
10الكاتبمدونة آيه الغمري121967

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة آية عبد العزيز 2026-04-22
2الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
3الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
4الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
5الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
6الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
7الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
8الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
9الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
10الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03

آخر الموثقات - مركز التدوين
آخر عرفة

الرجل عندما يحب .. لا يوقفه الحديد

كريهة ولكن

وداعا يا وحيدي

العزيز كمال…

مسيريين ولا مخيريين

أنا صوفيةُ العشقِ

أحيا على حافةِ الحلم…

​عطر الأخلاق

طيف الوداع...حين يهمس الرحيل
الأكثر قراءة - مركز التدوين
الأحدث تأليفا - مركز التدوين
آخر عرفة

الرجل عندما يحب .. لا يوقفه الحديد

كريهة ولكن

وداعا يا وحيدي

بيفصلوا حمير !

صدى بلا نبرة

وحدي أحلق داخلك 

أجلس خلف طاولتي

امشي من قدامي

قراءة في دور جامعة سنجور وأبعادها الإفريقية