امرأة...
وعيها يسبق قدرتها على التجاوز،
وقلبها أحنّ من قدرتها على الحسم.
تبدو قوية في عيون الجميع،
بينما تخوض حروبها بصمت.
ترمّم نفسها بالحب الذي لا تتلقّاه،
وتزرع الورود في دروب الآخرين،
رغم أن يديها لا تزال تنزف من الشوك.
تعرف متى تُهمَل، لكنها تبقى،
وتدرك متى تُستغل، لكنها تُعطي.
تراقب الرحيل دون أن توقفه،
فهي لا تُجيد الإمساك بمن لا يُريد البقاء.
تُشبه الفصول كلّها؛
تزهر حين يُجرحها أحد، وتذبل إذا اشتدّ الحنين،
لكنها لا تسقط… تعود، دائمًا تعود،
بأملٍ لا يشبه أحد،
وعزّة نفس تربّيها كلّما خانها قلبها.
تعود...
لا كما كانت، بل كما وجب أن تكون.
بخطى أهدأ، وبعينٍ لا تنخدع بالبريق،
وبذاكرة غربلت الحنين، وانتقت ما لا يُوجِع.
علّمتها الخسارات أن الاحتواء لا يعني البقاء،
وأن الطيبة لا تُساوي الغباء،
وأن اختيار الذات لا يُعد خيانة… بل نجاة.
تكتب وجعها نُضجًا،
تُخبئ شهقاتها بين سطور،
تضحك كثيرًا…
لا لأن الحياة تُضحك لها،
بل لأنها أقسمت ألا تُشبه الوجع، حتى وهي تتألمه.
امرأةٌ كتبتها الخسارات،
فحفظت دروسها جيدًا،
وتقنّت فن البداية… من تحت ركام النهاية.
وفي لحظةٍ لم يُصفّق لها فيها أحد،
اتخذت القرار الذي انتظرته طويلًا من الجميع:
أن تعود إليها…
أن تختار قلبها قبل كل يد تُلوّح بالبقاء المشروط،
أن تزرع في تربتها ما تُحب،
حتى لو تأخّرت الزهرة في الظهور.
تحوّلت من مصلّحة لكل شيء،
إلى امرأة تعرف متى تتنحّى، ومتى تُغلق الباب برفق.
صارت لا تُجامل الألم،
ولا تُفاوض على كرامتها،
ولا تُلقي بنفسها في النار…
فقط لتمنح الدفء لغيرها.
بدأت تُحب وحدتها،
تزيّن تفاصيل يومها بما يليق بروحها،
وأدركت أن السلام لا يُطلب من الآخرين،
بل يُبنى داخلها… لبنةً لبنة.
لأول مرة، لم تنتظر رسالة، ولا اتصال،
بل أرسلت لنفسها دعوة حياة،
وقالت: "كفانا نجاة… آن لنا أن نعيش."
ومدّت يدها لطفلتها الداخلية،
تلك التي بكت طويلًا في صمت،
وقالت لها:
"أنا معكِ…
لن أترككِ مرة أخرى، حتى لو رحل الجميع."
أخذتها نحو الضوء،
نحو ضحكة من القلب،
وقهوة دون انتظار،
وغروب لا يُشبه الحنين… بل يُشبه الاكتفاء.
علّمت نفسها ألّا بأس بالخذلان،
ما دامت لم تخذل ذاتها،
وأن الحنان الذي أغدقَت به…
كانت هي الأولى به.
واختارت — أخيرًا — أن تُحب نفسها،
كما لم يُحبّها أحد.
أن تكتب فصلها الجديد لا على عجل،
بل بحبرٍ من نضج، وصبر، وقلبٍ لم يَعُد يُقامر بالوجع.
فهي ليست مجرّد امرأة…
هي الرحلة، والبداية، والبيت.







































