منذ فجر نوبل الأول... وعلى مسرحها الأثير لم يعلو صوتنا سوى مرة واحدة؛ لكن سيمفونية الأدب العربي أوسع من أن تكون نغمة وحيدة.
ففوز نجيب محفوظ أشعل شرارة الاعتراف العالمي، لكنه لم ينر دروب كل المبدعين العرب.
ومع ذلك، سطع نجمه فألهم أجيالا من الكتاب، حملوا راية الإبداع وواصلوا مسيرة الحرف.
فازدادت ترجمة الأعمال العربية، وفُتحت نافذة على ثقافتنا الغنية، ومُدت جسور التواصل بين الحضارات... لكن في طيات هذا التأثير، نغمة حزينة تلامس أوتار القلوب.
فقلة تمثيلِنا في نوبل تثير تساؤلات تقلق مضاجع المبدعين وتغذي شعورا بالإحباط قد يعيق مسيرة الإبداع.
هل ثمة تحيز ضد ثقافتنا؟ هل تهمش نوبل أنواعا أدبية عربية ثرية مثل الشعر والمسرح؟
أسئلة تحفر في ذاكرة الأدب العربي، وتلقي بظلالها على مساره.
لكن لا ينبغي لهذه التساؤلات أن تطفئ جذوة الإبداع.
ففي كل كاتب عربي حكاية تنتظر أن تروى، وفي كل قلم ثورة تحرر الكلمات.
فلنواصل رحلتنا الإبداعية ونثري المكتبة العربية بأعمال خالدة، ونترجم لغة الضاد إلى لغات العالم.
ففي كل قارئ في عالمنا هذا شعلة تنتظر أن توقد، وفي كل كتاب مفتاح يمكن أن يفتح على ينابيع من الإبداع.
فجائزة نوبل، وإن لمع نجمها، لا تمثل المقياس الوحيد لقيمة الأدب.
فكم من قمم شامخة لم تطأ قدمها منصة التكريم، وكم من ينابيع عذبة لم تنل شرف الأوسمة.
طه حسين رائد الأدب الحديث، صاحب "الأيام" و"دعاء الكروان"، نغماته تلامس أوتار الروح، وكلماته ترسم لوحات من الحزن والأمل.
وعبد الرحمن منيف، نسيج رواياته "مدن الملح" و"حين تركنا الجسر" من نبض الواقع بصدق وإبداع.
وغادة السمان، الكاتبة السورية، تطرز بحروفها "رحيل المرافئ القديمة" و"ليل الغرباء"، فتلامس مشاعر القلوب وتحرك سواكن الأحاسيس.
هؤلاء وغيرهم كثر، نجوم ساطعة في سماء الأدب العربي، أثروا المكتبة بأعمال خالدة، ونثروا الجمال بين طيات الكلمات.
فجائزة نوبل قد تكون بريقا يزهر في جبين الإبداع، لكنها لا تلغي بريق النجوم الأخرى التي تنير دروب المعرفة.
فالأدب العربي ثري ومتنوع، ينبض بالحياة ويلامس المشاعر ويحمل بين طياته رسالة إنسانية خالدة.
فلنقرأْ ونثري عقولنا وننير قلوبنا بروائع هذا الأدب العريق، دون حاجة إلى جوائز أو تكريم.
ففي كل حرف حكاية، وفي كل سطر رحلة، وفي كل كتاب عال يستحق الاكتشاف.
لن نطيل الجدل حول أحقيتنا بجائزة نوبل، وسيكون موقف أدونيس منها منطلقنا وغايتنا، حيث حافظ على موقف هادئ تجاه ترشحه الذي جاوز عدة عقود، مؤكدا على أن تركيزه الأساسي على الكتابة والابداع، وأنه لا يسعى وراء الجوائز.
لن ننتظر نوبل لكي تقر بإبداعنا، بل سنثبت للعالم أن سيمفونية الأدب العربي أوسع من نغمة وحيدة، وأن حكاياتنا تستحق أن تسمع على مسارح الكون كله، وذلك من خلال تفعيل الجوائز العربية كالبوكر وكتارا على سبيل المثال لا الحصر من خلال تضافر الجهود الحكومية والثقافية والمجتمعية. إذ يمكن تحويل الجوائز العربية إلى منصات ثقافية مرموقة تساهم في تعزيز الابداع والتميز وتسهم في وضع ثقافتنا على الخارطة العالمية بمكانة تليق بقيمتها وإرثها الحضاري العريق








































