قلب من زجاج
إهداء
إلى كل قلب نقي لم يفهمه الناس بعد،
إلى كل أنثى جعلت من البساطة أناقة،
ومن الصدق زينة لا تبلى،
ومن الصبر جسرا يعبر به النور إلى الحياة.
كانت تشبه الصباح في نقائه، تمشي بخطوات هادئة كأنها ملاك يسير على الأرض.
في وجهها إشراقة لا تعرف الزيف، وفي عينيها ظل حلم مؤجل، كأنهما نافذتان على عالم لم يولد بعد.
هي ليلى، في الثالثة والثلاثين من عمرها، جميلة القلب والخلق، رفيعة الأخلاق، لا يختلف اثنان على طيبتها وتهذيبها.
لكنها لم تتزوج بعد… لا لعيب فيها، بل لأن المظاهر خداعة.
مظهرها الأنيق وهدوؤها الملوكي يوحيان بأنها من عالم الأغنياء،
فلا أحد يتجرأ على طرق بابها،
يظنون أن خلف هذا التهذيب حصنا من الكبرياء،
وأن في بيتها ذهبا كثيرا يخيف من لا يملكه.
لكن الحقيقة كانت أبسط من ذلك بكثير.
ليلى تعمل معلمة في مدرسة صغيرة،
تقتطع من راتبها القليل ما تشتري به كل عام هدية صغيرة لأمها في عيد ميلادها.
تفرح الأم بها كأنها أول مرة،
وتقول دائما بابتسامة راضية:
"الهدايا لا تقاس بثمنها، بل بالقلب الذي حملها."
كانت تلك اللحظة السنوية تختصر كل تعب ليلى،
وتذكرها أن الحب لا يحتاج مالا… بل صدقا.
ورغم ذلك، كان في داخلها وجع صامت.
كلما نظرت إلى المرآة، رأت امرأة شفافة كقطعة زجاج،
لا تخفي شيئا، لكنها تخيف من يراها.
فالزجاج النقي، وإن بدا جميلا،
قد يرعب من يخاف أن يرى نفسه فيه.
وذات مساء ممطر، وبينما كانت عائدة من عملها،
اقترب منها طفل يبيع الزهور عند ناصية الطريق.
قال بخجل:
"خذي وردة يا سيدتي… لونها يشبه قلبك."
ابتسمت واشترتها، ومضت بخطوات بطيئة.
لكن كلمات الصبي بقيت عالقة في صدرها كرسالة من الغيب.
في البيت، وضعت الوردة في كأس ماء، وجلست أمام المرآة.
للمرة الأولى، رأت امرأة أنهكها الانتظار لكنها لم تفقد نورها.
اقتربت أمها منها وقالت بلطف:
"تعرفين يا ليلى… الزجاج لا ينكسر إلا ليعيد تشكيل نفسه أجمل مما كان."
أجابت ليلى بابتسامة دافئة:
"ربما آن الأوان يا أمي… أن أعيد تشكيل نفسي."
في صباح اليوم التالي، ارتدت فستانا رماديا بسيطا،
وخرجت إلى السوق بوجه خال من الزينة.
عند الزاوية نفسها، كان الصبي ينتظرها.
ابتسم وقال بثقة طفولية:
"الزهور تعرف أصحاب القلوب الزجاجية…
لأنها شفافة مثلها."
ضحكت ليلى، واشترت منه باقة كبيرة هذه المرة.
كانت تفكر أن تهديها لأمها باكرا هذا العام،
كأنها تهديها بداية جديدة لا هدية معتادة.
كان المطر قد توقف،
لكن الضوء انكسر على قطرات الماء فوق كتفيها
كما لو أن السماء نفسها…
تعتذر لها على التأخير.








































