على ربوة عالية تطل على مشارف المدينة القديمة، وقف يقظان، شيخ في التسعين، عيناها تحملان عبق السنين وتجاعيد المعارك. الريح الباردة لامست وجهه، حاملة معها أصوات الماضي وهمسات الانتصار والهزيمة. أمامه مجموعة من الشباب، قلوبهم متقدة بالفضول، عيونهم تبحث عن التاريخ في خطوط وجهه، كل تجعيدة حكاية، كل ندبة حكاية صامتة.
رفع أصابعه المرتجفة نحو منارة شامخة في أقصى المدينة، تتلألأ في ضوء الغروب كحارس صامت للتاريخ:
انظروا إليها… هذه المنارة وقفت لقرون تشهد انتصاراتنا على العدو… كل معارك الوجود.
بدأ يقظان بسرد الانتصارات، تفاصيل المعارك، استراتيجيات البقاء، روح المقاومة التي لا تنكسر، حتى قاطع أحدهم مبتسمًا بسخرية:
ربما أنت رامبو! ولم ننتبه.
تلاشت الكلمات بين صدى الرياح والأفق البعيد، وتحولت الضحكات إلى موجة سخرية عابرة، تاهت بين الجدران والهواء.
اشتعلت في قلبه شرارة الانفعال، لكنه ضبط نفسه، وترك جسده يتحدث بدل فمه، الجراح شاهدة على كل معركة.
ببطء، كطقس مقدس، بدأ يقظان يتجرد من ملابسه. الريح لامست جسده العاري، فأصبح جسده تحفة أثرية حية: كل ندبة فيها صدى لمعركة، كل جرح انعكاس لصمود. الضوء المتسرب من الغروب تراقص على بشرته، يرسخ كل علامة، كل خط، كل قصة في مخيلة الحاضرين.
الشباب صمتوا، أعينهم تتسع بالدهشة، أنفاسهم تتوقف على حافة الإدراك، بينما جسد الشيخ يحكي لهم تاريخ المدينة والمعارك بطريقة لم تسمعها آذانهم من قبل. لم تعد الكلمات مطلوبة، فالواقع الحسي صار اللغة الوحيدة.
الريح حملت صمت المكان فوق الربوة، كأن المدينة نفسها تتأمل هذا العرض. المنارة البعيدة أضاءت كرمز للخلود، للانتصار على الزمن، لكل معارك الوجود التي صاغها يقظان بدمه وجسده وروحه.
بدأ الشباب يشعرون بالرهبة والإعجاب، لا بالسخرية، بل بانبهار صامت. فهموا أن الانتصار ليس مجرد حكاية، بل جسد يحمل ندوب الماضي، روح صمدت، قلب يواصل المقاومة رغم كل العواصف. التاريخ هنا أصبح تجربة حسية، لغة الدم والجلد والجروح، درسا حيا عن الصمود والخلود، و وصية صامتة للأجيال القادمة.








































