دخل أستاذ التاريخ القاعة كآخر الناجين من حضارة منسية، يلوح بالطبشورة كأنها نبض حجر قديم، أو سيف صغير يشق الهواء ليوقظ ذاكرة الأرض.
تتحرك عيناه بين وجوه الطلاب، وجوه تلمع بضوء الشاشات أكثر مما تلمع بفضول المعرفة… كأن التاريخ لديهم ملف قديم ينتظر الحذف.
قال أحدهم ساخرا، دون أن يرفع رأسه:
التاريخ؟ نحن أبناء الضوء… لا نعرف الدم ولا الخرائط ولا الأمس.
ضحك آخر وهو يقلب هاتفه بملل:
– قل لنا… هل سنحول درس اليوم إلى فلتر جديد؟
أم سنعيد تدوير الفرسان على طريقة التيك توك؟
ابتسم الأستاذ ابتسامة من يعرف الحقيقة ويمسك بها كجمرة:
– أنتم تظنون أن العالم يبدأ من أصابعكم…
لكنكم لن تعرفوا العالم بلا تاريخ،
ولن تحملوا أسماء بلا ذكرى،
ولن تكتبوا مستقبلا لم تعرفوا جذوره.
ضحكات الطلاب أغرقت القاعة وكأنها صدى حنين أمام نعش بلا تابوت.
هنا ، ارتجت الكتب على الرفوف
ارتعشت الخرائط،
واستقامت السبورة ككائن يستيقظ من سبات ألف عام.
ثم انبثق صوت عميق، متهدج كريح عبرت العصور:
– إمحوني إن شئتم…
لكنني أبقى.
أنا الدم الذي مر فوقه كل إنسان،
والخطوة الأولى في كل طريق،
والروح التي ترفض الغروب.
أنا التاريخ… ظلكم الذي لا تستطيعون الهرب منه.
تقدم الأستاذ نحو السبورة، يرسم بيده خطوطا خفية،
خرائط للعصور،
أبوابا للحروب،
وشظايا من حضارات لم يصنعوها…
ثم قال بصوت هادئ كاعتراف متأخر:
– كل ما تمسكون به الآن…
مجرد طبقة صدأ على جدران أجداد تعبوا كي تمشوا أنتم بخفة.
ساد الصمت.
الصمت الذي يعرف أنه هزم… ولو للحظة أمام الحقيقة.
أغمض الأستاذ عينيه، كمن يسمع دقات زمن بعيد.
كان يدرك أن التاريخ ليس درسا،
بل قلبا ينبض في كل ما نراه،
وأن الماضي — مهما أنكروه —
يبقى حيا… حاضرا…
لا يموت.








































