جاءهم من جهة الريح،
يحمل حقيبة من ضوء مريب،
وخطىً لا تترك أثرًا،
كأن الأرض تخاف أن تفضحه.
قالوا: “ساعي البريد”،
وقال آخرون: “بابا نويل تأخر عامًا”،
لكن لا أحد تجرّأ أن يسأل عمّا يوصل، ولا لمن.
في تلك القرية التي تتنفس البراءة،
كان الناس يترقبون المعجزات
كما يترقب الطفلُ عودة أبيه من الحرب.
وكان هو يعرف كيف يسكب الوهم في أكواب الحنين.
وزّع عليهم أحلامًا مغلّفةً بورقٍ لامع،
وألعابًا تضحك حين تبكي،
وأمانيَّ صغيرةً تنمو في العتمة
كزهورٍ لا تعرف الشمس.
كلُّ هديةٍ كانت توقيعًا خفيًا على جباههم،
يكتب فيها: «ساذج صالح للاستخدام الطويل».
وذات مساءٍ من ليالي البرد،
رفع عينيه نحو السماء وقال بصوتٍ يقطر ثقة:
“خذوا القمرَ هديةً منّي،
فهو من أجلكم وُلد،
وسأطفئه إن زغتم عن المسار الذي رسمت.”
صفّقوا له بفرحٍ يشبه الذهول،
وسجدوا لنوره كمن سجد لوهمٍ مقدّس.
ومنذ تلك الليلة،
صار القمرُ ميزانَ الطاعة،
ينامون على الخوف،
ويستيقظون ليتفقدوا إن كان لا يزال حيا.
الأطفال رسموه في دفاترهم
وفي طرفه ظل رجل بلحية بيضاء،
يبتسم كإمبراطور من ورق.
ومضت الأعوام،
فازدادوا طاعة، ونقصوا حياة.
لكن في ليلةٍ ملبّدة بالملل،
رفع فتىً من القرية رأسه مصادفةً نحو السماء،
فاكتشف أن القمر لم يكن إلا مرآةً صدئة
علّقها بائع الأوهام عند طرف الطريق،
وغادر...
قبل أن يكتشف أحدٌ أن النور كان في عيونهم لا في السماء.








































