يفاجئها أسامة بسؤالٍ مباغت:
ألا يراودكِ الفضول؟ لماذا فعلتُ هذا؟
هل سترحلين هكذا دون الحصول على إجابات عن الأسئلة التي تملأ رأسكِ وتجتاح نفسكِ؟
قالت: وما الفائدة؟
أنت كأي رجل ستراوغ ولن تصدقني بأي شيء، فبأي شيء أثق بهذا؟
أسامة بصوت واثق:
أعاهدكِ، بل أقسم لكِ بكل غالٍ، أنني سأكون صادقًا معكِ إلى أبعد الحدود.
إيمان بتهكم وسخرية:
رجاءً لا تتحدث عن الصدق،
ثم عن أي عهود تتحدث؟ هل عن تلك التي خنتها؟
أسامة:
جرّبيني، ولن تخسري شيئًا،
وكما وعدتكِ لن أكذب عليكِ مهما حدث، أقسم لكِ بهذا.
إيمان بتردد وفضول، وبعد صمت طال قليلًا، أخذت نفسًا عميقًا وقالت:
ولكن اعلم أن هذا لن يغير قراري بالرحيل، أو رأيي بخيانتك،
ولكن أعترف أن الفضول يتملكني لمعرفة الأسباب والملابسات.
(اتفقنا)
سأسألك وأنت تجيب، وإن أحسست أنك تكذب أو تراوغ، سأنهي الحديث.
أسامة بارتياح نسبي، وهو يشعر أنه كسب بعض الوقت أو فرصة أخيرة للدفاع عن نفسه:
(اتفقنا)، تفضلي، اسألي ما شئتِ.
إيمان بألم:
هل تخبرني منذ متى عدتَ إليها؟
أسامة:
تقريبًا منذ ستة أشهر.
إيمان، وكأنها تحدث نفسها:
نعم، كنت أعلم هذا، لقد شعرت بذلك.
أسامة:
ما دمتِ كنتِ تعلمين، لماذا لم تخبريني وقتها؟ لماذا لم تتحدثي معي؟
إيمان:
كل امرأة تشعر بأي تغير يطرأ على زوجها؛ من تصرفاته، طريقته، رائحته،
ولكنها لا تريد أن تصدق…
ورجاءً لا تغير الموضوع.
أسامة:
حسنًا، أعتذر، وتفضلي.
إيمان:
هل ستخبرني لماذا عدتَ لها؟ لماذا يا أسامة؟ لماذا؟
أسامة:
أريد أن أذكركِ أنكِ تعلمين بها من قبل زواجنا، فهل تنكرين ذلك؟
إيمان:
ولكنك عاهدتني وأقسمت أنك تركتها من أجلي،
وأنني سأغنيك عنها، وأنك ستكتفي بي وحدي.
أسامة:
نعم، لن أنكر ذلك، ولقد حافظت على عهدي معكِ،
حاولت وحاولت وقاومت، وأعترف أنني ضعفت… نعم ضعفت.
إيمان:
هل أنا السبب؟ أجب، هل أنا السبب؟
أسامة، ضاحكًا بألم:
لا، لستِ وحدكِ السبب، هناك أسباب كثيرة،
فعن ماذا تريدينني أن أتحدث؟
هل أخبركِ عن العمل وضغطه الذي لا ينتهي؟
أم أحدثكِ عن الملل والرتابة؟
أم عن ضجيج الحياة وصخبها؟
عن ماذا؟ وماذا؟ وماذا؟
إيمان:
ألم تفكر لحظة واحدة بابنك؟
هل فكرت لحظة واحدة أنك قدوته؟
وأنه ذات يوم سيتمثل بك ويقلدك؟
يقولون إن الولد سر أبيه.
أسامة:
أعترف بأنني مخطئ، وأريد أن أتطهر من هذا الخطأ.
إيمان:
سؤالي الأخير…
أين ومتى كنت تفعل ذلك؟
أسامة:
أحيانًا بالعمل،
ومرات بالكافيهات،
ومرات قليلة هنا… بالمنزل.
إيمان بصدمة:
هنا؟ وتعترف بذلك؟
يا لغبائي! هل كنت غبية لهذه الدرجة؟
سأرحل الآن، يجب أن أغادر الآن.
أسامة:
ألا يغفر لي صدقي وصراحتي معكِ؟
ألا يدل هذا على صدق ندمي وتوبتي؟
ألا أستحق فرصة أخيرة؟
وهنا يرتفع صوت عبد الرحمن بالبكاء،
وكأنه يذكرهما بوجوده، ويعلن عن حقه في تقرير المصير.
يتجه الاثنان نحوه، وتلتقي أعينهما،
وتستمر النظرات بصمت طال قليلًا.
قبل أن يقول أسامة بحماس:
الآن، وأمام عينيكِ، سأثبت لكِ صدقي،
وندمي، وإقراري بخطئي.
ويتجه مسرعًا صوب مكتبه، ويخرج مفتاحًا من جيبه،
فيفتح الدرج بقوة،
وأثناء ذهابه تمر أمامه حياته وماضيه وذكرياته كشريط سينما، فلاش باك…
يتذكر بدايته معها،
يتذكر ابن خاله وكيف شجعه،
يتذكر أول رحلة وأول تعارف بينهما،
حتى عندما ترك البلاد وغادر طلبًا للرزق والعمل، كانت حاضرة،
يشكو لها الليل وطول السهر وبعد الأحبة.
تحدث إلى نفسه بصوت لا يسمعه سواه:
نعم، لا أنكر أنها سببت لي الكثير من الضرر،
سببت لي الأرق وعدم القدرة على النوم الهادئ،
أضرت بقلبي كثيرًا،
ولكنني لا أنكر أنها كانت دومًا حاضرة.
أفاق من خيالاته وحديث النفس على صوت عبد الرحمن وضحكته الطفولية،
وأمه تهدهده بصوت خفيض.
فتح درج مكتبه بقوة، والتقطها، واستدار للخلف ليواجه إيمان،
نظر في عينيها بخجل وصدق، وقال لها:
لن أترك أي شيء يؤثر على حياتنا،
لن أؤذيكِ أو أؤذي ابننا أو نفسي بعد الآن،
ما بيننا يستحق أن أترك كل شيء من أجله،
لن أجعل أنانيتي تدمرني وتدمركم.
نظرت إليه إيمان بحب، وهي ترى الصدق في عينيه، وقالت بصوت خفيض يحمل كل الحب:
هل ستتركها من أجلنا؟
هل تعدني بذلك؟
هل ستعود إلينا؟
نحن نحتاج إليك حقًا.
قال أسامة بنبرة صادقة تحمل التحدي:
نعم، أعدكِ بذلك،
أستطيع أن أفعلها،
لا شيء يقف أمام الإرادة الصادقة،
أعدكِ أنني منذ هذه اللحظة سأولد من جديد.
رفعها بين يديه عاليًا، وألقى بها تحت قدميه، وأخذ يدهسها بحذائه،
وإيمان تصيح بصوت عالٍ:
ماذا تفعل يا مجنون؟ لقد أتلفت السجاد الفاخر،
سوف أجعلك تحضر لي بدلًا منه!
انظر ماذا فعلت، لن يخرج التبغ المتناثر من (علبة سجائرك)!
قال لها ضاحكًا:
وهذه إحدى الأضرار الجديدة التي تضاف إلى أضرار التدخين.
ضحك الاثنان سويًا، وضما ابنهما بحب،
والتقت أعينهما.
قال أسامة:
أشهدكِ أن هذه اللحظة هي نهاية مدخن، وولادة إنسان قوي.
قالت:
لن تخونني معها مرة أخرى؟
ضحك الاثنان وقالا بصوت مرتفع:
ويا لها من خيانة…
خيانة من نوع خاص.
تمت








































