مشفى عملاق ينتعش تحت سماء محفوفة بالأمل، وشمس ترمي بأشعتها فوق جدرانه؛ لتمده بالقوة والحياة، تزينه حديقة كبيرة، ويحفه زخم من الأشجار التي تختال ببر أوراقها اللصيقة بها دائمًا والحاضرة دون غياب، تفوح من أزهارها رائحة الطمأنينة، فتطغى على رهبة المكان، ويمتلك مساحة شاسعة لصف السيارات، تبث الألفة في روح كل زائر، بينما ذلك المبنى الرئيسي، صاحب الخمسة طوابق، يقف شامخًا في المقدمة في عزة وإباء، تتداعى له سائر الأبنية بالمساندة والرعاية والطاعة والتسليم.
عتيقٌ هو، ثري التكوين، تفتتحه بوابة حديثة الصنع، وكأن مؤسسهها أنفق كل ما بجعبته لتزيينها في أبهى حال؛ لعل حديدها الشقي يحتمل كل ما يحويه ذلك المبنى من عناء!
ولم يدر أن ذلك المكان قد أُسس بنيانه على رحمة، وإنسانية، وتقوى ثُلة نادرة جدًا من الطاقم الطبي، جمعتهم (الرسالة) على قلب واحد، فنهضوا مستندين إلى نبلهم، ينفقون أرواحهم، وأعمارهم من أجل إتمام رسالتهم على أكمل وجه. هم هدايا القدر، ولطف الله وجبره في الأرض؛
فلا فنى لهم ذِكر، ولا انطمس لهم أثر، ولا انطفئ لهم وجيب، ولا زال عنهم فضل، ولا تغير عليهم بر، ولا هجرتهم نعم، ولا رمد لهم قلب، ولا رمض لهم سعي، وعاش الجمال أهلًا لأن يلتقي بهم!
من أحيوا فينا أنبل ما فينا؛ لأنهم عاشوا أعزاء، من مشوا فينا بالصدق والإنسانية؛ فأسسوا بنيانهم على الخلود والوفاء، فطالت أعمارهم بقلوبنا،
من يقرأون الصمت، وينشرون الخير، ويعرفون قدر النعم،
فصاروا نسمة اللطف التي تنزل على قيظ العمر ووحشته، فتطفئ لوعته، وتثلج لهيبه، هم البسمة الرائقة التي تُبعث من غيابات النفس؛ لتحيي الروح وتدثرها بمعطف المأوى، هم سكاكر الزمان التي يجود بها علينا؛ فنعلق بمسها كالمجاذيب!
ومن هؤلاء الأشخاص الذين ندرت أخلاقهم في زمن الغربة الطبيبة صاحبة القلب الإنساني المشاء بالحب والنبل بين الناس:
د. سلوى Salwa Hayes أستاذة التخدير والعناية المركزة
تلك التي لو قصد وجهتها أهل الأرض جميعًا لأكرمتهم ولو بشق كلمة من جبر، ومشت بهم قريرة القلب والعين، ومطمئنة النفس والروح، يعرفها الجميع بالبر، والخلق، والإنسانية، فضلًا عن أنها في العلم والعمل نبراسًا، ومشكاة نور تفيض بالفضيلة والرحمة.
عرفتها كريمة، رحيمة، الطلة في محياها تُنسي وتشفي التعب والألم، والعناء، ومشقة الرحلة.
عند الخلاف رأيتها خلقًا يمشي على الأرض، ونبلًا تصافحه العيون على استحياء، وصمتًا عزيزًا ضافيًا يضم ويحتوي وينثر الحب والخير، لا تكل ولا تمل.
وفي العمل عرفتها أستاذة بارعة، وأمًا حنونة، وأختًا رحيمة لكل من تعاملت معه ولو كانت لحظات عابرة فلن تمر إلا وقد تركت عبقًا طيبًا من أثرها تطيب به الحياة وتنعم به الأرض.
جميعنا لا ينسى فضل أحد عليه، ـ وإن جحد ذلك أمام الجميع، لكنه يستحيل أن يجحده بينه وبين نفسه ـ؛ فيرفع ذكره فوق الغمام كلما تسللت سيرته كريح الصبا إلى حنايا قلبه، لأنه خصه هو بالفضل. لكن أن تُكرم الجميع، وتقدرهم، وتحسن عشرتهم ولو كانوا أسوأ أهل الأرض؛ لأنك أهلٌ لذاك، وأهلٌ لأن تُنسب إلى الإنسانية، لحظتها يمكن لكل القلوب أن تنعتك بصفة الإنسان وهكذا كانت د. سلوى تتعامل مع الجميع على السواء بأخلاقها ومحبتها ونبلها، فلا تركت غصة أو ندبة أو حيرة تشتعل بقلب أحد، ولا تركت دموعًا صامتة تختنق بحروف #لِمَ؟ تدور كدوران الرحا بالقلب حتى تُهلكه وتطفئ جذوته؛ فصارت بقلبي ملكة متوجة على عرش الإنسانية، فلا انطفأت لقلبها جذوة، ولا تمكن منها حزن، ولا علقت بها وخزة، ولا ضل لها سعي، ولا تغبشت لها بصيرة أبدًا يارب.








































