في حضرة الحرف اخلع دنياك؛ فإنك في حرم الروح وقداستها، تصافح نبضًا منثورًا في نظم، يأمل أن يأنس من جانبك لطفًا؛ فأكرم قلبك أنت بتحسس النقص وتشريحه بمبضع الطهر دون منٍّ أو أذى؛ فأنت تصنع لأجلك أنت نفقات حبٍ جارية في صدر من أكرمت، وميراث صدقٍ ووصل يربو مع الخلود، من نال منه فضلًا فقد حظي بحظ وافر، وطاب ذكرك والأثر.
فالكاتب يضع بين يديك روحه لا حرفه؛ والروح ليست بضاعة مزجاة، أو قلمًا يسأل الود والدعم إلحافًا؛ فأوفِ الكيل، وزد من الحسن نبلًا وإنصافا، فإن للقلوب عزة، ولدفقها كرامة، وللنفس أنفة، وللحِس مقاما؛ فانتبه.
حملت السماء لقلبي ندفًا حالمًا من النشوة والسلام، حين رأيت (العقاد) وهو يختلي بفلسفته، ويتناجى مع أفكاره بصحبة كتابه، ورفقة قهوته التي تناثر عبقها وتضوع في الأجواء حوله وامتزج بأريج الزهور الفواحة التي كست الحديقة التي يجلس فيها حلة زاهية من الجمال الصارخ الذي خر خاضعًا لروعة فكره وحنكة رأيه.
فأقبلت عليه، وحييته، ثم عرضت عليه ديواني المخطوط؛ فقلب بضع صفحات، وقرأ منها أبياتًا، ثم التفت إليَّ وقال في لهجة جادة:
"اسمع يا صاحبي إن ديوانك هو خير رد على قومٍ يحسبون الديباجة الحسنة كل شئ في الشعر، ولكن الشعر شئ آخر. الشعر أن تحس وتعبر تعبيرًا جميلًا عما تحس. أنت تحاكي الشعراء المتقدمين الذين قرأت لهم. والشعر الصحيح غير المحاكاة، وأنا أنصحك أن تقرأ وأن تضيف إلى محصولك في الأدب العربي محصولًا آخر من الأدب الأجنبي، وإياك أن تعبر عن شئ لا تحسه فتكون كالذي يقدم شيكًا بغير رصيد، إن الإحساس الشعر هو الرصيد الدائم المتجدد والتعبير عنه هو الشيك الذي تقدمه للقراء"
وهنا أرى العقاد قد أفرد لصاحبه في قلبه بساطًا من الوصل والألفة إذ ناداه( ياصاحبي)، وأسره بجميل لفظه حين أثنى على ديوانه فقال:" هو خير رد على قوم يحسبون الديباجة الحسنة كل شئ في الشعر"
ثم بحكمة المتمرس، وفطنة المدرك، ووعي الحييّ الكريم بثه النصح كسكاكر الشوق التي يستحيل أن تذوب في فم النسيان مهما بلغت من الذكر عتيا، بعكس نقد المازني له.
وهنا أذكر..
في محنة العقاد التي تدور رحاها الآن حول أنه "كان لا يصلي أو يعقد صالونه الأدبي وقت صلاة الجمعة"؛ عزمت أن أكتب، فكتبت مقالًا أسميته "مقال بلا روح"؛ لأنه كان أسوأ ما خط قلمي، وإن زينّه البديع جمالًا في كاسات المقل، لكني لحظتها شعرت بالاختناق، ونعتت نفسي وقلمي بالحمق والغباء، وظللت أوبخ نفسي قائلةً:
هذا قلمٌ لا أعرفه، وكاتب لم أقرأ له سطرًا وإن كنت قرأت عنه، وسمعت من محبيه عنه مايسر، لكني لم أقرأ له، فكيف أكتب عنه.. كيف؟، فاحتفظت بالمقال، وكلما شاكستني الذكرى اختنقت بعظم فعلي،
لكن ساقتني رياح القدر لأبحث عن مؤلفاته، فسقط قلبي من بين أضلعي على كتاب (أبو الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب) ولأني أحبه وآل البيت رضي الله عنهم وأرضاهم أنهيته في أقل من يوم، ومنه بدأت رحلتي مع قلم فلسفي متفرد، هو من اختارني لأملأ روحي من أدبه ولغته.







































