إن هناك أشياء من الصعب الإعتراف بها, تحتاج من المرء شيء من القوة النفسية والفكرية, وتحتاج إرادة كبيرة, ذلك لأنها تهزم الإنسان في ساحة الإعتزاز والكرامة, ولا شيء أصعب على النفس من مواجهة شيء والإعتراف به, من شيء ينزل بك ويقلل من كرامتك, بل ويجعلها ملقاة في الطريق فتطأها الأقدام, بقصد وبغير قصد, وأنت لا تملك لها شيء إلا العزاء, الذي لا يغني شيئا, فإنه لا خيار بين أن تعيش بدونها أو تموت فتنسى.. ومع إنك مهدر الكرامة, مستباحة العرض, فلا شيء ينقذك, هكذا وعيت على الحياة, وخلفتك سنوات الضياع, التي رسمت بعارها على جبينك درسا في الشقاء الأبدي, وما أشنعها من علامة, تطمس خلفها أي معنى, وأي كلمة, إنطفاء أبدي وأرق مستمر, أن ترى لحمك تنهشه الكلاب أمام عينيك, وأنت ذاهل غافل, مكتوف الأيدي, مقيد القدمين, تصرخ ويقابل ضحكات سخرية واستهزاء وسباب, فالأمر فظيع لا يحتمل, فوق طاقة اللحم والدم, كيف للقدر أن يحوطك بطل هذا الخراب لشخص واحد نفس واحدة, وكيف لها أن تنجو من الجنون, أن تعيش بخزلان عظيم, وعدد لا نهائي من العثرات القاتلة, أيد مبتورة, وأقدام مقطوعة, ويطلب منك المسير, أن تحيا وسط الجحيم, حين يتساقط الجلد من فرط العار المتوالي, لا بد من الهروب إلى بلد لم يسمع بك أحد فيها, إن مآسيك لا تحتمل, لا يقدر عليها بشر, طلقات مدوية تصطق لها القلوب والأكباد, تمطرك بوابل من نيرانها المتفجرة ..إنك تحاول أن تعيش خمسون عام وأنت تحاول أن تعيش وسط هذا الكم من الطين, ولم تفلح في نهاية الأمر, تحتاج إلى سنوات قليلة كي تعيش, كي تخلع عباءة العار, التي وسمتك طوال عمرك, وكدرت عليك حياتك, وطبعت الحزن على وجهك, وفوق جبينك نقطة سوداء, أن ما أصابك لعنة, فتطرد من العيش بجرائم لا تغتفر غير أنك لم تعلن الكفر كي تطرد من ساحة الحياة, إلى ساحة الجحيم, كان الرضا أكبر سماتك, كان وقوفك بجوار الحائط لم تطلب مجدا, ولا ظهور, كي تنال الطرد, ويلقى عليك من طين الأرض, ويقذف بها في وجهك, فتكون اللعنات والشتائم هي نصبك الأوفى, وثمرتك بعد رحلة مهانة, قوث لحمك المهدور, إنها معاناة أن تظل هكذا حياة حافة بسحق الكرامة, وبسعادة في أعين من يسحقون ويهزءون.








































