تصوف
أخذتني تلك الطاعة العمياء, والراحة النفسية, التي تتغلغل في أرجائهم, حياة بسيطة للغاية, طعام متواضع, وكثير من الماء, أذهلني كل هذا الكم من الإيمان الذي يتعلق بقلوبهم, وفيهم ذوي مناصب ومهن مختلفة, الطبيب والعالم والمعلم والتاجر والعامل والمزارع والخالي من كل عمل والجاهل, كلهم يصطفون في طابور واحد سواسية يتحلقون, لا تعرف من أين تبدأ الدائرة, ولولا أن للشيخ وهيبته وسمته المختلف, لم فرقت بينهم جميعا, ففي الاستماع إلى الشيخ, حين يتكلم الكل فاغر فاه, يتلقى ما يلقيه على أسماعهم باليقين, بلا جدال, ولا مواربة, حين يتناقش بعضهم مع بعض, يفض الشيخ كل خلاف, وكل مناقشة, وربما كان كلامه مبهم, فكل واحد يتلقاه حسب فكره وقلبه, كنت مستمع جيد لكل ما يقول, لأني كنت أبحث عن يقين أتكأ عليه, كنت آمل في جزء ولو بسيط من يقينهم, تلعثمت في بداية الطريق, كانت ألاف الأسئلة تجوب في خاطري, وعندما كنت أسئله بشيء من البراءة لأفهم, أجد في نفوس بعضهم شيء من الغضاضة, تجاهلته في البداية, ونفر بعضهم مني, فخففت من أسئلتي إلى الشيخ, الذي صابر معي, وكانت إجاباته لي مقتضبة, تحمل الكثير من الخفاء والغموض, إنهم أطهار يحملون في قلوبهم مشاعل الحب, يحملون بذور النقاء, يسقونها من نهر جاري لا ينضب, لا يتوقف جريانه, يظل يتدفق عبر أوردة القلب, تلقي في ساحات الدم أحلاما عذارى, وأمل لا تخفت في القلب آثاره, إنهم يقولون لنا أنهم أقطاب أنهم في عمق الدائرة, نلتف حولهم, ندور في فلك قلوبهم, يمنحون ويمنعون, فيوض تنبع منهم, تمتد إلى الآخرين, تنشر الخير, الرحمة تتسرب إلى الأوردة بلطف شديد, تتغير الأحوال بفضل البركات, فهؤلاء دائما في الملكوت الأعلى, في الحضرة السرمدية, هم الخاصة الذي بقلوبهم شقوا عباب, واخترقوا وصافحوا وأنهالوا, وغمرتهم الأنوار, فلا شيء منهم إلا ذلك الضوء الخافت المشع, الذي لا يراه إلا من أرتقى في عالم الخفاء, أن العيون التي أصبها الرمد, لن ترى, لن تخترق ...لم أكن أرى شيء فأنا أعمى إذن لا أرى ذلك النور, ولا غيره, ألا يمسح على الجبين, يمسح ذلك الغبار المتراكم على القلب, فيرى ما يرون, ويبتعث من جديد خير له من هذا التيه, الذي يغمره يعيش فيه, ويلتهم ويأتي عليه في كل يوم وكل لحظة, ربما الأقطاب أقل درجة, وإنما أحتاج إلى من هو أعلى, من هو أقرب أشد قربا أشد نصاعة وإشراق, قطب أقطاب الحياة, الوجود, من يحمل في قلبه النبوة الباطنة, التي ترتكز على أعماق الإنسان, هو ذلك الذي يجمع الأقطاب, يرسم خطاهم, يقودهم إلى الحضرة الكبرى, ثم هم يفكرون في مصائر الخلائق ...أن الأمر يحتاج إلى جهاد كبير, ليس بوسعي الأن ولا طاقتي أن أسلكه, أتيمم الطريق وأتوه في بدايته, لأنني مشغول القلب, كما يقولون, فالقلب مشغول بغيره, فلن يصل إليه أبدا, حكم على هؤلاء الذين لا ينشغلون به, بالأ يقتربوا منه, وأن يظلوا تائهين في كل الدروب, في كل طريق يسلكونه, حكم عليهم بالعمى والكفران والجحود, والإغلاق, والسدود التي تعوق, والستائر المنسدلة فوق العيون, كي لا تبصر, لا ترى, إنما العمى الأبدي, فما جدوى السعي إذن, جدوى السؤال, الغنا بلا صوت, الألحان بلا نغم, فالأذن صماء, والعيون بيضاء, والنار على عتبات لا تضيء, إنما هي تأكل وتأتي على الجمال, فلا جمال يبقى, تعثرت القلوب تآكلت فنيت, هل سأحاول مرة أخرى لا أظن والأحكام نهائية, ولا تسمح بالنقض, فالقلوب لا تعرف هذه الأشياء فهي إما وإما ولا خطأ, ولا معنى له فليس أمامك إلا أن تبقى, بلا أمل أو ترحل بلا أمل, فكلتا الأمرين لا أمل, لا أمل, فالتيه إذا حكم علي بلا أمل في الوصول ألا أعود إلى ما كنت عليه قبل رحيلي الأول في طلب المستحيل ......همست نفسي في أذني, كيف تصدق ما لا تؤمن به؟ كيف تهزمك الكلمات الجوفاء؟ التي لا معنى لها في قرارة ضميرك؟ كيف يصموك بكل هذا, وأنت لا تصدقهم, ثم تعتقد فيما لا تصدق أليس هذا أمر غريب, فلتقم تبحث, ولا تضيع ما جندت روحك من أجله, كيف تقف حائر أمام أحكامهم, التي تنطقها ألسنتهم, يريدون منك أن تؤمن, قبل أن تناقش, وتحب وترى من الآيات ما يملأ روحك, ثم تذعن لروحك, لا لخوفهم, لا لما يصفونه بك ...أنت على حق, يجب أن أؤمن أولا, أن أذعن لروحي, أن أشعر بأن سنوات التيه انقضت, ماتت وبدأت سنوات الطمأنينة, أعيش لروحي وبروحي, لا لهم ولا بأرواحهم, سأكون أنا لا غيري, ولكن لا مناص من الرحيل المكتوب على الجباه, ولا مفر منه, لا هروب من الترحال المستمر, حتى في كلتا الحالتين, لن أكف عن الترحال فهو بالنسبة لي حياة.








































