عودة إلى الأستاذ الإمام وجهوده الإصلاحية :
(قضية توثيق الطلاق )
كانت للشيخ محمد عبده جهود متعددة في الإصلاح بمعناه الشامل ، إصلاح أحوال الدولة ، إصلاح المحاكم ، إصلاح التعليم ، إصلاح أحوال المرأة والأسرة ، وهذه الأخيرة هي التي أخذت القسط الأكبر من جهوده رحمه الله الإصلاحية المتنوعة ، فقد اهتم الإمام اهتماما كبيرا بقضية تعليم المرأة وإصلاح أحوالها بشكل عام ، متضامنا في هذا مع الأستاذ قاسم أمين ، حتى رجح الكثيرون أن كتاب تحرير المرأة الذي تضمن خطة كاملة في هذا الجانب الإصلاحي المهم ، هو من عمل الشيخ محمد عبده حقيقة ، وقد رجح الدكتور محمد عمار ة هذا التوجه ،على حين قطع بنسبة كتاب المرأة الجديدة إلى قاسم أمين وحده ، متكئا على مابين الكتابين من فروق في الأسلوب وعمق التناول الفقهي والمصادر والأعلام ونحو ذلك . ينظر الأعمال الكاملة ٤/ ٢٦٣-٢٧-
وسوف أركز هنا على نموذج من نماذج الإصلاحات الأسرية التي قدمها الشيخ محمد عبده ، لأن جذوته لاتزال مشتعلة في حوارنا الفقهي والمجتمعي حتى اليوم ، رغم مرور أكثر من قرن على وفاة الأستاذ الامام وثورته الاصلاحية: أعني قضية إثبات الطلاق بالوثيقة الرسمية:
فقد أزعج الأستاذ الإمام رحمه الله ما رآه في عصره من فوضى عارمة في إيقاع الطلاق ، فلم يقف من هذه الظاهرة موقف المتفرج، ولكنه حاول الإصلاح بإعادة قراءة وفهم نصوص الشريعة الإسلامية ، ومقاصدها في حفظ نظام الأسرة والروابط الإنسانية بشكل عام ، في ضوء واقع زمانه ومشكلات مجتمعه المتغيرة ، فكان أن قدم - وهو الذي اشتغل بالقضاء - مقترحا يتضمن خمس مواد قانونية هي عبارة عن خطوات إصلاحية ، تتدرج بهذا الإصلاح من مجرد النصح للزوجين وحتى الطلاق ، إذا لم تجد كل وسائل الإصلاح الأربع الأولى ، وهذه المواد تتلخص فيما يلي :
مادة ١ : على كل من يريد أن يطلق زوجته أن يحضر أمام القاضي الشرعي أو الماذون الذي يقيم في دائرة اختصاصه ، ويخبره بالشقاق الذي بينه وبين زوجته .
مادة ٢ : يحب على القاضي أو المأذون أن ينصحه مبينا له ان الطلاق ممقوت عند الله، وعاقبة ماهو مقدم عليه ، ثم يمهله أسبوعا ليتروى في أمره .
مادة ٣ : إذا أصر الزوج بعد مضي المدة على الطلاق ، فعلى القاضي أو المأذون ان يبعث حكما من أهله وحكما من أهلها ، أو عدلين من الرجال الأجانب - أى رجلين ثقات من غير الأقارب - إن لم يكن لهما أقارب ليصلحا بينهما.
مادة ٤ : إن لم يفلح الحكمان في مهمتهها ، كان عليهما أن يقدما تقريرا الى القاضي أو المأذون ، وعند ذلك يأذن القاضي أو الماذون للزوج بالطلاق.
مادة ٥: لايصح الطلاق إلا إذا وقع أمام القاضي أو الماذون ، وبحضور شاهدين ولايقبل إثباته الا بوثيقة رسمية.
وبذا يصبح كل كلام عن تجديد الخطاب الديني في العشرين سنة الماضية ، وكل هذه المؤتمرات التي أقيمت ، والدراسات التي قدمت سرابا في سراب ، فنحن لانزال قابعين هناك في مرحلة ما قبل عصر الإمام ، وكأنه ماكان وما كانت جهوده الإصلاحية ولا مدرسته. لله الأمر .







































