رأيي في قضية الطلاق غير الموثق الذي تم نشره في مجلة المجتمع الكويتية – مع الاعتذار عن بعض الأخطاء الإملائية والأسلوبية – حيث تم تفريغ ما سجلته صوتيا، فكانت بعض الأخطاء.
وأنوه إلى أمرين:
الأول: أن المذكور هنا اختصار موجز -للغاية - لما طرحته تفصيليا في كتابي (الطلاق أمام القاضي في ضوء ضوابط تشريع الطلاق ومقاصده).
والكتاب معالج بشكل منهجي علمي موثق، ومن ثم فلا مجال للنقاش على الصفحة من قبل أي من المتخصصين أو غير المتخصصين ، دون قراءة عميقة دقيقة منصفة لما طرحه الكتاب، ولن أرد على أية حوارات أو اعتراضات بهذا الخصوص.
ولا مجال كذلك لأي تعليق يخرج عن حدود اللياقة في إبداء الرأي ، ولأدمن الصفحة الصلاحية الكاملة في حجب كل متطاول نهائيا عن الصفحة.
الأمر الثاني:
أن رأيي في الكتاب رأي علمي استباقي في سبيل حل مشكلة عمت بها البلوى ، لأجل حياة إنسانية أكثر عدالة للرجل والمرأة على السواء.
يعني: ما تناوله الكتاب هو عبارة عن مقترح لحل المشكلة من وجهة نظر فقهية وليس من قبيل الفتوى، فتبقى الفتوى على ما هي عليه وفق القانون، حتى تتم مناقشة المشكلة في المجالس التشريعية المختصة ، في سبيل استصدار تعديل تشريعي جديد بشأنها، ثم تكون الفتوى وفقه إن حدث ، وأتوقع أن يتم ذلك في المستقبل القريب بإذن الله.
وأضيف: رأيي هذا ليس بدعا فقد سبق وأن قاله الإمام الشيخ محمد عبده إمام المجددين في عصرنا نصا، وذلك قبل أكثر من قرن من الزمان .
ولكن كثيرا مايصدر إلينا مايروق للمتصدرين للفتوى قوله ، ويحجب عنا مالايروق لهم ، أو مايرونه خطأ من وجهة نظرهم ، ولو كان القائل هو مفتي الديار المصرية في عصره ، ورأس المدرسة الإصلاحية التجديدية في العصر الحديث.
لقد كان دوري هو كشف اللثام عن هذا الرأي ، الذي قاله الشيخ الإمام في جملة أو جملتين، مع التأصيل الفقهي له من وجهة نظر مقاصدية واقعية، وفق المنهج العلمي المتبع في مثل هذا النوع من الدراسات. ونسأل الله القبول والتوفيق .
----
مع الحوار:
👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻
بين الحين والآخر يتجدد الحديث عن الطلاق الشفوي، مع الزجّ بفكرة مصلحة الزوجة وعدم ضياع حقوقها، وإثارة دعوى أنه طالما لا يعترف بالزواج إلا موثقاً فكذلك يجب أن يكون الطلاق.
يأتي هذا مع كل قضية طلاق تصل إلى المحاكم خاصة عندما تتعلق بأحد المشاهير، فمع كل ظهور جديد للطلاق الشفوي تتباين الآراء حول تجديد الاجتهاد في هذه القضية، وضرورة إعادة النظر في الحكم الفقهي المتوارث.
«المجتمع» تواصلت مع الفقيهة الأصولية د. زينب عبدالسلام أبو الفضل، أستاذة الفقه وأصوله بكلية الآداب جامعة طنطا؛ التي كان لها نفس طويل في بحث هذه القضية بكل مآلاتها، من خلال كتابها «الطلاق أمام القاضي في ضوء ضوابط تشريع الطلاق ومقاصده»، لتقدم للقارئ رؤية جديدة متأنية حول هذه القضية.
بداية، هناك رؤية فقهية تؤكد تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال، فهل تسري هذه الرؤية على الطلاق الشفهي؟
- هذا الرأي منسوب لابن قيم الجوزية في «إعلام الموقعين»، لكن قاعدة أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، هذا يكون في المسائل التي فيها محل اجتهاد، فمثلاً في عهد الفاروق عمر ألزم الناس بوقوع ثلاث طلقات في لفظ واحدٍ ثلاثاً، ولكن بعد زمن طويل أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بعدم وقوعها ثلاثاً؛ بل وقوعها طلقة واحدة، وهو المعمول به في الفتوى والقضاء إلى الآن.
ومن المهم التأكيد على أنه لا بد في مسائل الشريعة أن يرد الحكم الجزئي إلى القاعدة الكلية، ومن جميل ذلك ما قاله الشاطبي: «من أخذ بالجزئي معرضًا عن كليّه فقد أخطأ، فكذلك من أخذ بالكلي معرضًا عن جزئيّه، فلا بد من اعتبارهما معًا في كل مسألة»، وهذا يعبر عن أهمية الجمع بين الكليات العامة للشريعة (الأصول) والجزئيات (الفروع) في فهم وتطبيق أحكام الشريعة.
رأي كبار العلماء واضح في وقوع الطلاق الشفوي، هل انتهت القضية بذلك؟
- رأي هيئة كبار العلماء ليس ملزماً، ولا يمكن لأحد أن يقول: إن هناك إجماعاً في ذلك، لأنه قد يكون خارج هيئة كبار العلماء من هو أكثر فقهاً ممن هو موجود في داخلها، فالقول بأن مسألة وقوع الطلاق الشفهي فيها الإجماع، يعتبر سيفاً مصلتاً على الرقاب للخضوع لمسألة ليس فيها إجماع من أصله، فلقد ضبط الإمام الشافعي الإجماع بقوله: لست أقول بالإجماع، ولا أحد من أهل العلم إلا لما لا تلقى أحداً إلا قاله لك وحكاه عمن قبله؛ كالظهر أربع وحرمة الخمر.
هل ترين أخطاراً تكمن وراء ضرورة توثيق الطلاق؟
- هناك 3 كليات شرعية من كليات الشريعة أدى عدم اعتبارها إلى هذه الصورة الفوضوية من الطلاق، وهي:
1- نفي المضارّة.
2- عدم التعدي على حدود الله في تشريع الطلاق.
3- التزام التقوى.
هناك حِيَل عصرية توظّف الطلاق الموثق مثل الحصول على المعاش، إذن ليست المشكلة في الطلاق الشفوي؟
- القانون مهما كان لا يمكن أن يقضي على خراب الذمم، فالحيل العصرية ليست في قوة المشكلة الأساسية، فالفقهاء يقولون: النجاسة لا تزال بالنجاسة، والحل هو في تقديم سند شرعي أن الطلاق لا يقع إلا أمام القاضي ابتداءً.
فالعالم حالياً يعيش في دولة عصرية، والمفتي عليه تقديم الحل الشرعي للقضايا العامة، أما آلية التنفيذ فمتروكة للجهات المنوط بها تنفيذ هذه الرؤية، وفق ما تحدده من حجم الضرر، وذلك من خلال عمليات استقراء مجتمعية مضبوطة ومدروسة.
هل الزوج وحده هو من يملك حق الطلاق وبشكل مطلق؟
- أي حق يوضع في يد إنسان بشكل مطلق هو مدعاة للتعسف، لكن وضعت الشريعة بعض الحلول في يد الزوجة، حتى تتخلص من حياة هي لها مبغضة، كنوع من التوازن بين حق الرجل في التطليق، وحقها في التخلص من الضرر، ومنها:
1- التفريق للضرر.
2- التفريق لسوء العشرة.
3- الخلع، وفي حالة الخلع لا تُسْأل المرأة عن تفاصيل مبغضات الحياة مع زوجها دفعاً للحرج.
في نظرك، هل أثبتت التشريعات القانونية للحد من ظاهرة عبثية الطلاق جدواها واقعياً؟
- يحسب للمشرع المصري أنه ألزم المطلق بضرورة توثيق الطلاق خلال 30 يوماً من وقت تلفظه به، وإلا سيكون محل العقوبة.
لكن الحل الأساسي أن يكون الطلاق أمام القاضي، وأن ما تم عقده موثقاً لا يحلّ إلا بالتوثيق.
هل يوجد في الشريعة الإسلامية ما يؤيد فكرة أن الطلاق لا يقع إلا أمام القاضي؟
- من المهم في البداية التأكيد على أن ما يكون محل نزاع لا يحلّ إلا قضائياً وليس بالفتوى، فالحلّ في مثل قضية الطلاق الشفوي الذي تحوّل إلى محل نزاع يكون أمام القضاء وليس الفتوى.
وأما عن مستند وقوع الطلاق الشفوي أمام القاضي، فهناك من الصحابة من قال بوجوب الإشهاد -التوثيق في عصرنا- مثل علي بن أبي طالب، وعمران بن الحصين، رضي الله عنهما، والعلامة ابن حزم أوجب الإشهاد على الطلاق وعلى الرجعة.
إذن الحديث عن إجماع في وقوع الطلاق الشفوي غير دقيق، فقد تبين أنه لا إجماع في المسألة.
ما المانع أن يكون الحل عقاب الزوج على عدم التوثيق بدلاً من عدم الاعتراف بطلاقه؟
- هناك بالفعل قوانين صدرت في مصر بمعاقبة الزوج على عدم إبلاغ الزوجة بوقوع الطلاق.
ولكن من المهم أن تكون هناك فتوى استباقية لمعالجة القضايا التي تضر بالمجتمع وفي أساسه وهي الأسرة، فلا يصح أن نقف كفقهاء خلف المجتمع، وتكون الفتوى، عقب وقوع الكارثة والضرر.
ما ضوابط تحجيم الزوج حال تعسفه باستخدام حقه في التطليق؟
- من لم تحجمه الشريعة والتزم قول الله تعالى ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، فإذا لم يرتدع، فكما جاء في الأثران الله يزَعُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
ما الصورة المثلى التي يجب أن يتم الطلاق فيها؟
- الطلاق أمام القاضي يحقق مقاصد الشريعة في كلياتها الثلاث (الضرورية، الحاجية، والتحسينية).
ففي الضروريات، فإننا سنحافظ على حق المرأة في النفقة والمتعة وغيرها مما يخص حقوقها، وفي الحاجيات سوف ننفي عن المرأة أي مضارة نتيجة الطلاق الفوضوي.
وفي التحسيني، لن تشعر المرأة بأي تهديد يلاحقها، وفي هذه الحالة ستعيش في نعمة وطمأنينة لا يتهددها ضرر، وهذا كله لا يتوفر إلا بالمثول أمام القاضي ووقوع الطلاق أمامه.
وما يحكمنا هو القواعد الكلية الثلاثة، التي يجب أن تكون مصاحبة لأي حكم وهي «نفي الضرر، التزام حدود الله، التزام التقوى».








































