في إشارة وصلتني على صفحتي من أديبنا المفكر الطبيب الأستاذ الدكتور / أيمن الجندي يطلب مني توضيحا لهذه المسألة الفقهية في ضوء مسألة أصولية أشار إليها فضيلة الإمام الأكبر وهي " عدم أخذ الحنفية بمفهوم النص"
هكذا جاءت الإشارة ، والصواب : مفهوم المخالفة وليس " مفهوم النص "
………………………….
أقول هذه قضية أصولية "وعرة "كما يقولون إذ الكلام فيها طويل ودقيق ، ولكني سأحاول تبسيطها وباختصار شديد ، وأتمنى من الجميع محاولة استيعابها لأهميتها ، ولأنها توقفنا على حقيقة أن الاجتهاد في فهم النص ليس بالأمر الهين ، وأن طرق الأصوليين في سبر أغوار نصوص الكتاب والسنة- بهدف الوقوف على مايحتمله النص من معان ظاهرة أو مؤولة أو مقاصدية - زادت كثيرا عن النظر اللغوي عند اللغويين ، مع استيعاب الأصوليين التام للدرس اللغوي في ذلك ، كما زادت وتجاوزت النظر الحديثي عند المحدثين الذين انصرف جل همهم إلى عملية تصحيح النص من عدمه ، وهذا ليس بالأمر الهين وجهد مقدر في حقيقة الحال ، ولكن للأصوليين مناهجهم في فهم النصوص وإن صحت ، فالاحتجاج بالنص لأجل النظر الفقهي واستنباط الأحكام منه كان هو شغلهم الشاغل ، ولذا نجدهم يتوقفون أحيانا في العمل ببعض الأحاديث وإن صحت ،والعكس صحيح .
وأكثر الأصوليين توقفا أمام النصوص في معرض الاحتجاج بها هم الحنفية ، وهم كذلك أكثرهم إعمالا للعقل في فهم النص ، و تفريعا في مايحتمله من دلالات ، وإن كان هناك قدر من التداخل فيما بينهم وبين غيرهم من الأصوليين في كثير من تقسيمهم الدلالي للنصوص .
وإجمالا أقول : يجمل جمهور الأصوليين التقسيم الدلالي للنص في دلالتين رئيسيتين : دلالة المنطوق ودلالة المفهوم .
أما دلالة المنطوق ، فأخصر تعريف لها هو "مادل عليه النص في محل النطق "، أو هو "المعنى المستفاد من صريح النص "نحو قوله تعالى " أقيموا الصلاة " وقوله " لاتقربوا الزنا " مثلا ، وهذه -يعني دلالة المنطوق- موضع اتفاق من حيث الاحتجاج بها عند الأصوليين جميعا ، ولاخلاف فيها لوضوحها من النص منطوقا أو صراحة .
وأما دلالة المفهوم فهي "مايفهم من النص بالتعريض لابالتصريح "وهي قسمان :
الأول : مفهوم الموافقة ويسميه الحنفية دلالة النص ، ويسميه غيرهم دلالة الدلالة أو فحوى الخطاب ، وهو باختصار "ماكان المسكوت عنه في النص أولى بالحكم من المنطوق أو المصرح به "نحو قوله تعالى " فلا تقل لهما أف ولاتنهرهما " فالمصرح به أن التأفف محرم مع الوالدين ، والمسكوت عنه هو حكم السب والشتم مثلا ، وهذا المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق بلا شك .
وهذا النوع من الدلالة متفق عليه كذلك من حيث الاحتجاج به عند الجميع ، وإن اختلفت مسمياته عندهم.
وأما القسم الثاني من مفهوم النص عند الأصوليين فهو مفهوم المخالفة : ويعرفونه بقولهم "مايكون مدلول اللفظ فيه في محل السكوت مخالفا لمدلوله في محل النطق "، وهذا النوع هو الذي يظهر فيه الخلاف بين الحنفية وغيرهم ، وتظهر نتائجه في هذه القضية التي نحن بصددها .
"أحقية المطلقة في حضانة الولد وإن تزوجت بآخر "
فغير الحنفية من الأصوليين يحتجون ويعملون بمفهوم المخالفة ، ولذا حين قال صلى الله عليه وسلم للمرأة التي سألته عن حكم حضانتها لولدها حين طلقها زوجها وأراد انتزاعه منها" أنت أحق به مالم تنكحي " قالوا : مفهوم المخالفة أنها إن نكحت رجلا آخر فإن حقها في حضانة ولدها يسقط وبه نقول .
أما المحققون من الحنفية فقالوا : لايسقط حقها في حضانة ولدها وإن تزوجت بغير ذي محرم للطفل ، لأن مفهوم المخالفة من أضعف الدلالات على مراد الشارع من النص ويغلب عليه الظن ، ومن ثم فهو ليس بحجة عندنا ، ولانأخذ به، وعليه فلايسقط حق الأم في حضانة ولدها مالم ير القاضي في حضانتها له إضرارا به ، لأن الحضانة مدارها على حفظ مصلحة الولد ونفعه .
الطريف : أنه مع هذا الخلاف الأصولي بين الحنفية وغيرهم في الأخذ بمفهوم المخالفة من عدمه ، إلا أننا أحيانا نجد اتفاقا بينهم في نفس الحكم ، من ذلك مثلا قوله صلى الله عليه وسلم " مطل الغني ظلم " فالجميع متفقون على أن مطل غير الغني ليس ظلما ، إعمالا لمفهوم المخالفة عند غير الحنفية .
أما الحنفية فقالوا الحكم نفسه ، فمطل غير الغني ليس ظلما . ولكن ليس إعمالا لمفهوم المخالفة ، ولكن إعمالا لقوله تعالى " وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة "
وختاما : أتمنى أن أكون قد وفقت في توضيح هذه المسألة المتصلة بمبحث الدلالات الذي أفردت فيه مباحث وفصول عند الأصوليين وفي النظر الفقهي كذلك .
ولنخرج من كل ذلك بنتيجة مهمة ، وهي أن كل من كان بمنأى عن دراسة علم الأصول دراسة عميقة ، فهو ليس أهلا للبحث الفقهي ولاللفتوى وإن حفظ الصحاح والمسانيد كلها ، واستغرق عمره في حفظ مسائل الفقه سنين عددا .