دائما بين فينة وأخرى أحب أن أقرأ في أصول الفقه الجعفري لأتعرف أكثر وأكثر على الشيعة الجعفرية ، لامن خلال فروعهم الفقهية فهذه لاتشغلني كثيرا ، لأن الفروع ليست مقياسا علميا صحيحا في رأيي للحكم على مذهب بعينه ، وإنما مرد ذلك إلى الأصول ، فهي التي تطلعك بصدق على البناء المنهجي الضابط للتوجه العقدي والتشريعي لهذا المذهب أو ذاك…
والحقيقة أنني اطلعت على بعض الكتب و الرسائل والأبحاث العلمية التي صنفت في المذهب الجعفري
من قبل أهل السنة ، وفي رأيي أن أكثرها يفتقد إلى المنهجبة الحقيقية في التعامل مع أصول المذهب الجعفري وفروعه ، فروح التحامل والتحفز واضحة بل وطاغية على هذه الدراسات ، مما أفقدها رونقها العلمي ، إذ البحث العلمي أساسه منهج صارم مجرد يلتزمه صاحبه من المقدمة وحتى الخاتمة .
ثم حدث أن وقع في يدي كتاب " أصول الفقه الجعفري " للشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله ، وبعد معاودة مني لمطالعة هذا الكتاب يمكنني القول بأن الشيخ رحمه الله كاد يقترب في دراسته هذه من الحيادية العلمية مقارنة بغيره من الفقهاء والدارسين ، وقد أبهرني كالعادة من ناحية قدرته الكبيرة على الاستيعاب والطرح المنهجي العميق لأصول فقه الجعفرية ،وذلك في كتاب له من الحجم المتوسط أسماه " أصول الفقه الجعفري "
فالكتاب حقيقة غاية في البساطة والعمق في آن واحد ، بل إنه يمكن القول بأن دراسة الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب أقرب ماتكون إلى الدراسة المقارنة بين الجعفرية والسنة عموما، وكثيرا ماتوقف الشيخ رحمه الله وصحح العديد من المفاهيم والآراء الأصولية المنقولة عن الجعفرية ، ومن داخلهم هم لاسيما ماكتبه الشريف الرضي وغيره من كبارهم .
وكان الشيخ في أكثر أحواله يدع المعتدلين من كبارهم يردون على المغالين دون تعليق منه ، وهو منهج التزمه وصرح به في أكثر من موضع ، وكأنه كان يهدف إلى إعادة بناء المنظومة الفقهية الأصولية للشيعة الجعفرية من داخلها لامن خارجها ، اعترافا منه رحمه الله بأن أي جهد يبذل لإصلاحها من خارجها سوف يذهب سدى ، وهو ماصدقه الواقع المعاصر فعلا بعد الجهود التي بذلت في محاولات التقريب بينهم وبين السنة ، من قبل الشيخ شلتوت رحمه الله وغيره من الأعلام .
ولكنا نجد الشيخ في مواضع قليلة يغادر منهجيته التي اشترطها لنفسه ، ويعلن تحامله على الجعفرية بشدته المعهودة ، لاسيما في ادعاء المغالين منهم أن في القرآن تحريفا ، هاهنا نراه ينقلب إلى مدافع قوي عن القرآن الكريم قائلا " تلك كلمة حق اضطررنا إلى قولها مع التزامنا بمنهجنا ولكن هذا أمر لايمكننا السكوت عليه " العبارة بتصرف عن الشيخ ص١٦٨ ط دار الفكر العربي .
وللشيخ عذره في ذلك ، وإن كان الالتزام المنهجي له قدرته الإقناعية أكثر ، لاسيما وقد نقل الشيخ مايهدم هذا الكلام ويرده ردا عن كبار المحققين من علماء الجعفرية انفسهم .
والسؤال كيف في كتاب بهذا الحجم أمكن للشيخ ان يتعرض بعمق لكل مهمات علم أصول الفقه من وجهة الشيعة الجعفرية ، مع المقارنة بقدر الحاجة مع باقي المذاهب الأصولية الأخرى للسنة لاسيما الحنفية ؟؟ يعني بااستيعاب دارس هذا الكتاب للقضايا المطروحة فيه ، لن يكون بينه وبين الإلمام بعلم أصول الفقه على المذاهب الأربعة مضافا إليهم الشيعة الجعفرية سوى خطوات يسيرة .
عظيم حقا أيها الإمام ، أتشرف بأنني ربيت على مدرستك بواسطة شيخي اد / الدكتور محمد بلتاجي حسن ، أحد أعمدة مدرستك الفقهية الأصولية في العصر الحديث،
وأتشرف كذلك بأنني وأنت من أبناء مدينة المحلة الكبرى ، تلك المدينة التي أنجببتك وعشرات العلماء المؤثرين محليا ودوليا فى علوم الشريعة واللغة والأدب والفكر والوجدانيات والتربية والسلوك ، ويكفي كذلك أنها هي البلدة التي شهدت كفاح شيخي الأكبر ووالدي ، العارف بالله الشيخ عبد السلام أبو الفضل في جهوده الدعوية والإصلاحية والاجتماعية والتربوية والسلوكية ، ولاأكون مبالغة إذا قلت : إنه لايوجد شارع ولازقاق ولابنيان في المحلة وريفها إلا وهو شاهد على جهود الشيخ رحمه الله ورضي عنه ، فقد أحب رحمه الله المحلة وأهلها من قلبه ، ومن جانبهم بادلوه حبا بحب ، وقد كانوا ولايزالون في حبهم له كراما مخلصين ، كما كان يحلو له أن يصفهم رضي الله عنه .