هناك لحظات لا يمكن للكلمات أن تحتويها، ولا للزمن أن يخفف من قسوتها. رحيل الأب إحداها. فحين يغيب ذلك الجسد الذي كان سندًا، لا يغيب معه الحضور فقط، بل يغيب الأمان الذي كان يسكننا دون أن ننتبه لوجوده.
الأب ليس مجرد شخص في العائلة، بل هو ظلّ ممتد من الطمأنينة، هو المعنى الحقيقي للاتزان في فوضى الحياة. وجوده كان يملأ المكان بصمتٍ مطمئن، لا يحتاج أن يقول كثيرًا كي نصدّق أننا بخير، فمجرد صوته، أو نظرة من عينيه، كانت كافية لتعيدنا إلى أرض الأمان.
وحين يرحل، لا يترك فراغًا فحسب، بل يتركنا نبحث في تفاصيل الذاكرة عن صوته، عن ضحكته، عن نصيحة قالها في لحظة عابرة فصارت قانونًا نعيش به بعده. نكبر، ونقسو على أنفسنا، لكننا ندرك أن لا أحد في هذا العالم يمكنه أن يحبنا كما فعل هو، بلا شروط، وبكل ما يملك من صدق.
رحيل الأب يعلّمنا بطريقة موجعة أن الزمن لا يعود، وأن بعض الغياب لا يُعوّض مهما مرّت السنوات. لكنه أيضًا يعلّمنا كيف نصبح أقوى، كيف نواجه الحياة بقلوب امتلأت بحكمته. فالأب وإن رحل، يظلّ يسكن فينا، في طريقتنا في الكلام، في اختياراتنا، في تفاصيلنا الصغيرة التي تشبهه.
قد يرحل الجسد، لكن الأب يبقى حضورًا خالدًا في الذاكرة والوجدان، دافئًا كذكرى، وقويًا كسندٍ غائبٍ نحمله في قلوبنا إلى الأبد.








































