حين نتأمل العالم من حولنا، ندرك أن القلوب تشبه البيوت كثيرًا. منها ما تُفتح أبوابه للنسيم، ومنها ما تُغلق نوافذه بإحكام خوفًا من الريح. هناك قلوبٌ تُشبه البيوت القديمة التي مرّ عليها الزمن، تقف رغم الشقوق والكسور، تحمل في جدرانها قصصًا لا تنطفئ، وتُخفي في أعماقها أصواتًا ما زالت تتردد. وهناك قلوب حديثة، لامعة، مدهونة بألوان جديدة، لكنها ما زالت تبحث عمّن يسكنها بطمأنينة لا تخذل.
قد تجد قلبًا يشبه بيتًا ريفيًا بسيطًا؛ لا زخرفة فيه ولا رفاهية، لكنه مليء بالدفء. يكفي أن تجلس فيه قليلًا لتنسى تعب الطريق. وقد تجد قلبًا آخر كالقصر، مهيبًا واسعًا، لكن وحدته تشعرك بأن الصدى أهم من الكلمات، وأن الاتساع لا يعني الأمان دائمًا.
القلوب مثل البيوت… تتغير مع الزمن. بعضها يوسّع ممراته ليحتضن ضيفًا جديدًا، وبعضها يضيق حتى على أهله. بعضها تُفتح أبوابه كل صباح، وبعضها يخشى أن يُطرق فيمسك بالمقبض ويحبس أنفاسه. والناس، دون أن يشعروا، يتعاملون مع قلوبهم ببراعة البنّائين؛ يرممون جرحًا، يوسّعون مساحة حب، أو يرفعون جدارًا أمام ألمٍ لا يستطيعون احتماله.
وفي الطريق إلى الناس، ستجد قلبًا ترك على بابه لافتة صغيرة تقول: “مرحبًا”، وآخر كتب: “أرجوك لا تقترب”. ستجد قلبًا يرحّب بك كما أنت، وآخر لا يقبل إلا نسخة مصقولة منك. ستجد قلبًا يرى فيك امتدادًا لروحه، وآخر يعاملك كعابر لا يستحق البقاء.
أما أجمل القلوب، فهي تلك التي لا تكلّفك شيئًا؛ لا تُحاسبك على ضعفك، ولا ترفع في وجهك شروطًا. قلوب تشبه البيوت التي بُنيت بالحب لا بالإسمنت؛ يدخلها الضوء من كل الجهات، وتخرج منها الطمأنينة دون أن تطلب الإذن. قلوب إن سكنت فيها يومًا، عرفت أنك لن تغادرها إلا وقد تغيّرت.
وفي النهاية، نحن جميعًا نحمل بداخلنا ذاك البناء الخاص بنا: جدران من التجارب، نوافذ من الأمل، أبواب من الخوف، وسقف من الصبر. وتبقى الحكمة في أن نُحسن بناء بيوتنا الداخلية، وأن نتعلم كيف نطرق أبواب الآخرين بلطف، وكيف نترك مكانًا صغيرًا للّقاء، مهما كان العالم مزدحمًا.
فالقلوب، مثل البيوت، تفرح مَن يصونها… وتُغلق أبوابها أمام مَن يجرحها. وفي كل قلب — مهما بدا مُغلقًا — نافذة صغيرة تنتظر بصيصًا من نور.








































