في كل مرة نتأمل فيها ما يحدث حولنا من ظلم أو قسوة أو فساد، نظل نبحث عن الجاني الحقيقي: من فعل؟ من أخطأ؟ من تجاوز؟ وغالبًا ما نظن أن الأشرار وحدهم هم سبب كل خلل. لكن الحقيقة الأعمق، والأكثر وجعًا، أننا كثيرًا ما نغفل عن دورٍ آخر لا يقلّ خطورة: صمتُ الذين يعرفون الصواب، ولا يجرؤون على قوله.
الأشرار، مهما كانت قوتهم، لا يستطيعون تغيير وجه مجتمع كامل ما لم يجدوا طريقًا ممهدًا أمامهم… والطريق لا يمهده سوى أولئك الذين يعرفون الحق ثم يختارون ألا ينطقوا به. صمتهم يمنح المساحة، وحيادهم يصنع فجوة، وترددهم يترك الباب مفتوحًا لكل من يريد العبث بقيم الناس.
وليس المقصود بالصوت هنا الصراخ أو المواجهة العنيفة، بل الوقوف الواضح مع ما نؤمن به. كلمة عادلة تُقال في وقتها قد تغيّر مصير إنسان. موقف بسيط لكنه صادق قد يمنع ظلمًا كبيرًا. نصيحة هادئة قد توقف خطأ قبل أن يتفاقم.
لكننا — كبشر — ننحاز غالبًا للسلامة. نخشى ردود الفعل، نخاف من أن نُساء فهمنا، أو نُتهم، أو نخسر علاقة. فنختار الصمت ونبرر لأنفسنا أنه «ليس شأني»، أو «ليس الوقت مناسبًا»، أو «سيتصرف شخص آخر». وهنا، دون أن ندري، نشارك في صناعة مساحة فارغة يملؤها أصحاب النوايا السيئة.
المجتمع لا يحتاج إلى أعداد ضخمة من الأبطال، ولا ينتظر ظهور شخص خارق يصلح كل شيء. المجتمع يتعافى عندما يقرر كل شخص أن يقوم بدوره مهما كان صغيرًا:
أن يقول كلمة حق، أن يدافع عن قيمة، أن يساند مظلومًا، أن لا يتعامل مع الخطأ وكأنه طبيعي.
نعم… الأشرار موجودون، وسيظلون موجودين. لكن قوتهم الحقيقية لا تنبع من جرأتهم، بل من خوف الأخيار. ومن اللحظة التي يقرر فيها أصحاب الخير ألا يصمتوا، تبدأ الموازين في التغير.
إن أسوأ ما يمكن أن نفعله هو أن نقف على هامش الحياة ونراقب من بعيد، بينما نعرف أن بإمكان صوت واحد أن يبدّل اتجاه المشهد.
ففي نهاية الأمر، التاريخ دائمًا ينحاز لمن اختاروا ألا يصمتوا… حتى لو تحدثوا بصوت منخفض.








































