كانت جدتي – رحمها الله – امرأةً صابرة، تسكن بيتها البسيط كأنها نون، والقلم وما يسطرون.
ذات يوم، ألقت بثقلها على صدري، وهمست أنها تلقت طعنة من ذوي رحمها؛
أ فسد الحليب أم لذع الزيت !
رغم حاجتها، آثرت الصمت، لم تجادل، ولم ترفع صوتًا.
وكأن صمتها ضريبةٌ،
تتلاقي بها الأعين بسلامٍ أعزل،
سلامٍ لا يسد جوعًا، ولا يرد كسرًا.
نظرتُ إليها بعين اللوم،
أطالبها بتفسير الأمر.
ابتسمت بحزن وقالت:
"لم يربح الدم،
ولم تخسر الجراح،
ولكننا صرنا مومياء خاوية،
تصرخ من لهيب شمس القول."
ثم حكت لي:
كيف تكشفت الحقيقة ساقيها،
تتغنج فوق رماد القلوب،
سقط القناع،
و استل السيف.
قالت:
"الطعنات لا تأتي من غريب،
بل من جهةٍ بلا سلاح.
قُربى بطعم الزبد…
لا خير فيها ولا صلاح.
نصفّق للوهم،
حتى إذا انجلى البحر،
لم نجد إلا الرماد."
كنتُ أصغي، أتعجب من حكمتها،
وأشعر أن كلماتها أثقل من عمري كله.
وفي النهاية، رفعت بصرها إلى السماء وهمست:
"فما يفيد الكلم؟
وماذا يغني الملام؟
الله شاهد…
والصمت قربان."
ومنذ ذلك اليوم، صار صمت جدتي عندي كتابًا مفتوحًا…
كلما قرأته، وجدت فيه درسًا جديدًا عن الصبر والخذلان.
عند الله الملتقى،
والعاقبة خير.








































