الفصل الخامس
في غرفة سلمى، يضمها والدها بحب، فهو رجل له هيبته، عريض المنكبين، قوي البنية، لكنه حنون، هين، لين، وسلمى الأقرب لقلبه وعقله، يحكي معها كصديق، ويستمع إليها بحب، ويناقشها في الكتب والقضايا، يجمع بين قوة الوالد الحانية وحزمه الرفيق!
دفنت رأسها في صدره باكية، وهو يربت على كتفها ويمسح على رأسها؛ حتى هدأت، جلست على الفراش وهو إلى جوارها ينتظر كلامها وبوحها، مسحت دموعها، وقالت بصوت متقطع:
- أشعر أن روحي متعبة، وقلبي ممزق، لماذا رحلت فرح؟! لماذا أمست الحياة والبشر بكل هذا السوء؟! تعبت يا أبي، كل هذا فوق طاقتي، ما عدت استطيع التحمل! موت فرح أتعبني! وهناك أمر أخر، ناريمان صديقتي لديها مشكلة كبيرة! وطلبت أن أساعدها، كيف وأنا تائهة مترددة، وحزينة جدا.
كان والدها ينصت إليها جيدا، وعيونه مليئة بالحنان والخوف عليها، يجتهد في لم الشوك وزرع الورد في قلبها من جديد، وضع يديها بين كفيه فزاد شعورها بالدفء والأمان.
نظر في عينها، وهو يقول بصوته الرصين الهاديء:
- حبيبتي، هناك أيام في عمرنا يجب أن ننساها لنستطيع أن نحيا بعدها حتى لا تصبح حياتنا بعدها هي الموت! هذه أقدار الله، الموت والحياة لا يد لنا فيه، لكل شيء حقا أوان، ليس لنا اختيار في أقدارنا، وفرح عمرها انتهى وهي الآن في دار الحق، وفي مكان أفضل وأجمل، طال بنا العمر أو قصر، كلنا مآلنا إلى الموت ومرجعنا إلى الله، اعلم أن الفراق صعب، لكن اصبري واحتسبي، رحمة الله لا تخزل الصابرين أبدا!
مد والدها يده يمسح ما بقي من دموع على خديّها، ثم أردف بحنان:
- صغيرتي، ما زالت الحياة تفتح لكِ ذراعيها بالأمل والنجاح والسعادة، لا تستسلمي لليأس، افتحي نوافذ قلبك للتفاؤل والأماني، ما حدث ليس سوى عاصفة، مرت بسلام، فلا تتوقفي عندها طويلا، فالسعادة لا تُولد إلا من رحم الألم!
صمت برهة، ثم عاد لحديثه:
- أما عن ناريمان، أخبريني مشكلتها وسوف نجد لها حلا، بأذن الله.
ترددت سلمى في إخبار والدها، وفضلت الصمت إلى أن تسأل ناريمان. هل تخبر والدها أم لا؟!
سافرت سلمى مع أسرتها، وفي مرسى مطروح جلس الجميع على الشاطيء فرحين، متناسين كل هم وحزن مر بهم، سلمى في يدها رواية، وهناء تتطلع من خلف نظارتها الشمسية إلى حازم الذي يلعب الكرة مع أقرانه حولهم، يتبادلا النظرات التي تحمل رسائل الحب والشوق، ووالدها يتحدث إلى زوجته(سناء) بود وتراحم.
فجأة وقعت عين الوالد على صديق له لم يره منذ عشرون عام، تعجب من حالته يجلس على كرسي متحرك، أعاد النظر إليه مرة أخرى مستنكرا ما يرى، هز رأسه بحزن متسائلا:
- سناء، انظري من هناك، أليس هو، خالد زين الدين؟!
أجابته وقد بدا الحزن على ملامحها:
- نعم هو! صحيح لم أره منذ زمن، لكن ماذا حدث له؟! خسارة كان شابا كله حيوية ونشاط وطموح!
ركن زوجها إلى شيء من الصمت، ثم أردف يقول:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، حزنت من أجله كثيرا، أنا متردد هل اذهب له أم لا؟ مسكين، وضعه مؤسف، وأخاف من فرط حساسيته أن أدخل الحزن عليه، إذا ذهبت وسلمت عليه في هذا الوضع!
هزت رأسها بأسى، ثم قالت بإشفاق:
- حقا وضعه مؤسف، كان أول دفعتنا ومحط نظر الجميع، الكل كان يغبطه على تفوقه وتميزه العلمي والرياضي!
هنا انتبه لهما خالد زين، متطلعا بوجه بشوش، وابتسامة عذبة، وحرك الكرسي الكهربائي نحوهما، مقبلا عليهما، ثم ألقى التحية، وقف الوالد يصافحه بحرارة، ود لو احتضنه لكن إجراءات الأمان بسبب جائحة الكورونا السائدة منذ عامين في العالم، أوقفت الجميع عن العناق والتقبيل، و قضت على تلك العادات حرصا على سلامة الجميع. حتى أنهم منذ عامين لم يسافروا لقضاء إجازة الصيف!
همست سناء بوجه بشوش: - مرحبا بك دكتور خالد، الحمد لله على سلامتك.
قال وعلى وجهه الأسمر الهاديء ابتسامة صابرة هادئة: - الحمد لله على كل حال، نحن في نعمة وفضل من الله كبير.
طال الحديث مع خالد، كان الجميع ينصت باهتمام، بينما تسللت هناء لتقابل حازم بعيدا عن أعينهم، في حين ظلت سلمى تستمع إلى حديثهم، منبهرة بصلابته وتحمّله كل هذا الألم!
كان وجه خالد يُشرق ثم يُظلم أثناء سرده لحكايته عندما يمر بالصعب الذي يُحكى أو الأصعب الذي يستحيل حكيه، محاولا ضبط غصة تقف في حلقه، ومنع دموعه العالقة في مقلتيه من السيل، سقطت دموع الجميع متأثرين بكلامه!
كانت سلمى تدون ما تسمع دون أن ينتبه إليها أحد، منذ فترة تكتب خواطر وأشعار، وقصص، وتستمد من الواقع أفكارها. شعرت كأنه ورقة خريف سقطت من أعلى شجرتها.
ابتسم والدها بلطف وهو يربت على كتف خالد قائلا:
- أنرت مرسى مطروح، إجازة سعيدة يا غالي، وفرصة أسعد بلقائك الرائع!
تبادلا أرقام الهاتف، والتحية والسلام. ثم غادر خالد، بينما ترك في قلب سلمى ندوب وتساؤلات عدة، ما كل هذه الابتلاءات؟! أي رجلا هو؟! كيف تحمل وقاوم؟! وما حكاية قلبه؟؟ ردد مرتين: برأت لكن قلبي لم يبرأ! اللهم اعف عن قلبي!
ارتسم الألم واضحا على ملامح سناء وسلمى، واردفت سلمى قائلة بهمس لسناء:- لنا جلسات عدة يا أمي، لتسردي لي حكايته بهدوء، أحب طريقتك في السرد وأحب أن اكتب عنه!
هزت سناء رأسها بالموافقة وسألت عن هناء، انتبهت سلمى لغيابها أيضا، وشعرت بما ذهبت من أجله، فنهضت مسرعة:
- سأنادي هناء، لقد ذهبت تتمشى على الشاطيء.
اقتربت سلمى من الماء، ومشت على الشاطيء، رمل مبلل تنغرس فيه قدماها وزرقة البحر مرصعة بالزبد، وهواء مشبع برائحة البحر، أنساها كل ذلك هناء، لم تنتبه من شرودها إلا باصطدامها بشاب، ابتسم بعاطفة أغرقتها في بحور عينه، نظر لعينها هامسا بدفء: - اعتذر بشدة أنستي!
ذابت نظراتها في سواد عينيه، عندما أردف بصوت متهدج:
-ما شاء الله، عيونك زرقاء تشبه ماء البحر وزرقة السماء معا، من أنتِ؟!
ابتسمت في خجل وحروفه تخنق قلبها كسهام من لهيب، لا تعرف ماذا أحل بها، لا تقوى على الحديث أو الحركة، كأن قدمها تجمدت، ازدردت ريقها ببطء، وهي تتظاهر بالصلابة، وتركته في صمت. مبتعدة عنه بأقصى سرعة، كأنها تركض، تريد الهروب، كأن شبحا يطاردها، أم تهرب من حكايتها؟، من مشاهد أطلت من مكانها على غير توقع، مشاعر الحب تلك المشاعر التي مقتتها، خاصة بعد ما حدث معها، هاجمتها الذكريات؛ وغشيت عينها الدموع أغمضت عينها بحزن.
حقا سلمى تبدو هادئة ولكن داخلها بركان خامد من الهم يكاد ينفجر.








































