آخر الموثقات

  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  • قُربَ فمِكَ
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة سلوى بدران
  5. وطن آخر
⭐ 0 / 5

 رفع رأسه صوب السماء، كانت السحب الرمادية تتجمع، وتتلاقى ببطء؛ لتكوِّن أشكالًا أسطورية عملاقة، بينما كان للأفق لونُ الحناء المضيء .ألقَى على ساعته نظرةً سريعةً، وهو يتفقد جدول المواعيد الخاصة بالمترو الأرضي( ١٦) بمحطة فرانكفورت الرئيسة. كان المدى أمام عينيه يتسع في كل الاتجاهات. تتعلق عيناه بمبنى محطة القطارات، الذي يقف شامخًا أمامه، بزخارفه ونقوشه الفخمة، والقوس الضخم الذي يعلو المبنى ببهائه، تتوسطه الساعة التي لا تتوقف عن الدوران مطلقًا، منذ أزمنة كثيرة، وكل أجناس البشر وألوانهم التي خلقها الله من كل قارات الدنيا. يقبلون نحوه، ويغادرون بهمة، وكأنَّما يحسبون العمر بدقائق الساعة التي تعلوه، و تهرول معهم. تختلط أزياؤهم الأوروبية بالهندية، والأفريقية مختلفة الأشكال والألوان؛ بعضُها لها ألوان الخضرة،والشمس المبهجة، ولون السماء حين تجود وتصفو . وكأنما هم سفراء لبلادهم، جاءوا ليلتقوا جميعًا، تحت سقف تلك البلد، واختاروا أن تكون لهم هنا حياة أخرى، وأن يتنفسوا نفس الهواء معًا. ألقى بجسده للمقعد الوحيد الخالي على طرف المقاعد على استحياء. انتفض واقفًا، ويداه تسدان فتحتي أنفه بإحكام اتقاءً للرائحة الكريهة، التي تكالبت عليهما، وهو يتفقد مصدر الصراخ المفاجئ، الذي اخترق أذنيه، وجعله مرمى لسهام عيون البشر التي اصطادته من كل الجهات. كان المخلوق الذي هبَّ فجأةً في وجهه، له ملامح أوروبية دقيقة، غطتها أصابع مختلطة للشمس، والغبار، والمطر، بطبقات متساوية. يرتدي أسمالًا بالية، ويهذي بكلمات غير مفهومة. تتحرك يداه، وجسده حركات لا إرادية، وعيناه الحمراوان تطلقان نظرات خنجرية لوجهه. يوزع نظراته المهزوزة على ملامح وجهه وجسده، ويتجاوزهما،و كأنَّما يسبُّ شخصًا آخر من خلفه، وكأنَّما يسبُّ العالم كله الذي لفظه، وتجاوزه في وجهه هو. لم يكن يفهم بعد ما الذي أهاج ذلك المخلوق الذي يراه أحيانًا، وأشباهه عند نواصي المحطات الرئيسة، ووسط المدينة متكومين على يأسهم. يستوطنون رصيف الشوارع ليل نهار، وكأنَّما أصبحوا جزءًا منه . يحتضنون قطةً أو كلبًا، وكأنَّما هما كل ما يمتلكون في الحياة من عزوة. يبدوان مثلهم تمامًا، أشعثين أغبرين ساكنين سكون العاصفة. تتعلق عيونهم بالطبق الصغير الذي وضعوه أمامهم؛ حتى يمتلئ بالعملات الصغيرة، التي يتخلص منها بعض المارين من أمامهم، دون أن يلتفتوا إليهم. لم يكن عقله يستوعب ذلك المشهد في بلد كألمانيا، حينما أتى إليها غضًا منذ وقت مضى، لكنه مع الوقت فهم أنَّ دورة الحياة السريعة في بلد كهذا، تلفظ من لايحسنون الدوران مع الطفرة الحضارية للأبد من مداراتها. لم يلحظ هو أنَّه حين أسقط جسده على المقعد، وجود ذلك الكائن نائمًا متكومًا إلى جانبه على أرض الرصيف. فهم الموقف فقط، حين رأيى بقايا زجاجة البيرة التي ابتاعها بحصيلة العملات التي أنفق النهار من أجلها، مختلطة بتراب الرصيف تحت قدميه، ففهم أن قدميه قد أزاحتها دون أن يشعر، وهو يجلس على الكرسي؛ فانسكبت ليبتلعها تراب الشارع. زفر ضيقه في تنهيدة طويلة، حين حاول أن يوضح له الموقف، ولما لم يستطع أن يرتب عدة كلمات مفهومة بالألمانية، طوى ضيقه وعجزه داخله، واستدار بسرعة ليتخلص من المشهد كله؛ لينتظم في طابور البشر الواقفين على يمين باب المترو، الذي أتى في تلك اللحظة؛حتى يتسني للخارجين منه حرية الخروج في أمان من ناحية اليسار .أمسك بالحلقة المعدنية المعلقة بسقف المترو، حين لم يجد مكانًا للجلوس. ظل واقفًا تتعلق عيناه بمشاهد الشارع ولافتات المحلات، وهي تترى، وتبتعد عن مرمى بصره. يدغدغ ملامح وجهه الهواء الذي يسابق المترو في الطيران، فيندفع من شبابيكه لداخله، بلا استئذان، يشم فيه رائحة ربيع قادم، وزهور تتفتح، ويرى أغصان أشجار الشارع تتنفس من جديد، وتغزوها الخضرة اليانعة. يتمنى لو ينسى كل شيء للحظة؛أوجاعه، وانقباض قلبه، وكل ما قالته له أمه اليوم على التليفون، وكأنه لم يكن، أو كأنما لايريد أن يسمعه، أو يصدقه. يرى فقط ملامح وجهها الخمري، وشعرهاالأسود المارق المتحلق حول وجهها البدري، وكأنَّه أمامه الآن، حين كان يحركه هواء الربيع، وهما يتنزهان، وصوت مياه النيل حين يشقه قارب صغير يتناهى إلى أذنيهما، وأصابعهما تتلامس، وقلوبهما تشتعل بالحب، وتحلق في السماء تسابق العصافير، وهما يحلمان بعش صغير. يتلو عليها آخر قصائده الغزلية؛ فتحلم عيناها، وتنتشي، وكأنما هي "عبلة "التي لأجلها تبذل قصائد العشق، وتلف الديار .وكأنه هو "عنتر" العصري الذي ارتحل، وترك الديار، والأهل؛ ليحقق لها كل الأمنيات. يتذكر يوم سفره منذ أكثر من سنة، كأنَّه أمس، مشهد أمه وأبيه وإخوته، وهم يعانقونه ببكائهم الحار .نظراتها إليه، وهي واقفة متحلقة ببعض أهلها، أطلت منها فرحةٌ فضحتها رغم غلالة الدموع التي غطتها .فسرها وقتها بفرحة الإمساك بأول خيوط الأحلام .طالما حدثته عن أقارب لها سافروا منذ زمن، وعادوا يرفلون في النعم، ويبتاعون البيوت الواسعة. تمنت وقتها لو أنه سافر لبعض الوقت. قالت إنَّها ستنتظره حتى يعود؛ ليحقق لها حلم بناء عش يجمعهما معًا .ستزور الأماكن التي شهدت حبهما وحدها، لتتذكره .ستعد الأيام، والشهور حتى يعود، وحين تشتاق إليه ستعيد قراءة أشعاره التي كتبها لأجلها. ستحفظها عن ظهر قلب. يرسل لها بالخطابات. ينزف وجع الغربة بين يديها وحدها. يزرف الأشعار، ومشاعر الفقد، والحنين، ويرسلها لها وحدها. منذ أن أحبها أصبح قلبها وطنه الذي يرتمي بين يديه، يرتاح فيه حين تقسو عليه الحياة، وتلهبه بسوطها. فلماذا تختارين لي الغربة الأبدية؟ باغتته نسمة الهواء الطازجة حين نزل من المترو. أفاقته، واقشعرت لها مسام جلده .كانت المحلات التجارية تستعد للانغلاق بعد يوم عمل طويل، وأصابع الليل امتدت؛ لتشمل كل مكان على الأرض. يسرع الخطى نحو ميدان(جوته)حيث عدة ساعات عمل تنتظره هناك في (مكادونالدز) بعد أسابيع من بطالة فرضت عليه. يسمع حفيف الأشجار، وهمهمات طيور تستعد للمبيت. يُقبِل وجهها من بعيد نحوه، ثم يبتعد. يشعر بقلبه ينقبض، ويمسك دموعه قبل أن تسقط، ويفهم معنى كلماتها في آخر الخطابات. يمسح دمعة غالبته، وينفضها للأرض، وكأنما ينفض معها كل مشاعره لها. يتذكر كلمات أمه اليوم على التليفون، يخلع دبلتها من يمينه حين شعر بها تخنق أصبعه لأول مرة، يلقيها لظلام جيب بنطاله، وهو يتخيل ملامحها التي طالما انبسطت لرؤيته، تغزوها الفرحة وهي تتمايل وترقص يوم عرسها على صدر عريسها، الذي جاء من بلاد الخليج على عجل ليبتاع حلمه الذي لم يعد له. كاد أن يرتطم وجهه بالحائط، وهو يدخل لمكان عمله. لم يلتفت لتكدس الناس على الكاسات، ولم يشعر برائحة الدفء التي باغتته، وصوت الهمهمات واللغات المختلطة، ينزل لمكان تغيير الملابس، وكأنما هو ترس في ماكينة. يصعد للمطبخ، يلقي تحية المساء على زملائه، وينهمك أمام "الجريل" في شواء الهامبورجر كما علموه. يوصد الباب على وجهها، قبل أن يأتيه كما كل يوم. تتعلق عيناه بالنافذة. يرى المطر من خلفها صادمًا وغزيرًا يصفع وجه الأرض. يتضاحك مع زميلته البولندية ذات الشعر الأحمر، والوجه الذي يعارك الزمن. يقرأ في عينيها الفرح؛ لتجاوبه معها بعد محاولات فاشلة. يبتسم حين تنعته بالعربي الحزين حين تلاحظ شروده الدائم، وهي تهمس له:

- قل لي أين أنت أيها العربي الحزين؛ كي أتبعك.

وقبل أن يترك العمل. كان يلقي بالورقة التي كتبت له بها عنوان بيتها، ورقم تليفونها بحرص لجيب بنطاله، بعد أن دعته لزيارتها يوم إجازتهما. ترشق نظرات ماجنة لعينيه قبل أن يمشي. تضحك، وهي تمنيه أن تزيح عن قلبه الحزن، يرى لون عينيها الأزرق لأول مرة، وهو يختار أن يعيش في مدار حياته الجديدة.

 

أحدث الموثقات تأليفا
منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة

تغنّجي…
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب380076
2الكاتبمدونة نهلة حمودة241615
3الكاتبمدونة ياسر سلمي213017
4الكاتبمدونة زينب حمدي182069
5الكاتبمدونة اشرف الكرم156240
6الكاتبمدونة سمير حماد 124431
7الكاتبمدونة مني امين122568
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين117161
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي114712
10الكاتبمدونة آيه الغمري112466

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02

المتواجدون حالياً

9240 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع