كنتُ الواقفة على حافة كل الأدوار .. كنت أنا البين بين .. فكنت لما تغشاني سعادةٌ أقسم أنني جمعت الحسنيات كلها لما تخيرت ضبابيتي .. وكنت حين يقصمني ابتلاءٌ أشهد أنني ما رأيت يومًا فرحًا ولا كسبتُ من بينيتي إلا عذاب المحرومين..
وكانت بينيتي تلك باب اختلافي وسبب تميزي، إذ كنت بين الملتحفين ببذلات المهابةِ البسيطةُ المجاهدة، وكنت بين أهل البساطة العليمةُ المشاهدة، فكان لي من الجميع نظرةُ اندهاش، وقولةٌ -تنُطق جرأةً أو تتخفَّى حرجًا- مردُّها مفاجأةُ التباين.
وكان أن عشتُ العمر أسعى للتشابه، وأركض على طريق القبول البارد المستكين، إذ كنت أهابُ الاختلافَ وأستشعر الوحدة في ضبابي، إذ كنت أخشى انتهاء الزمان دون شبيهٍ فاهمٍ حنون.
سعيتُ.. وكم سعيتُ لمحو أمارات ضبابيتي واختلاق صورة مفهومة تنتمي للعالمين، وكان أن انقضى عمري وتألَّمت محاولاتي من فشلها المتكرر، ومع انقضاء عمري تكشَّفت لي نفسي نقطةً تلو نقطةٍ، فكان أن سألتها ذات حيرةٍ عصيبةٍ "ما الخطب في البينية الضبابية؟ بل، ما ميزة المتشابهين على أية حال؟!"
نفسي المهذبة بالصبر على اندهاش الجميع، المعذبة بمعاشرة أشباح غرف الوحدة والركون لمصاعد الحنين للوليف كانت أشد مني قوةً وأقوم عزمًا، فواجهتني هي بالسؤال "ما بالك أنت تختلقين قضيةً من اندهاشةٍ، وتتبعين في سبيل الطمأنينة كل روافدِ القلق؟!"
جاوبتها "هذا زمانٌ مخيفٌ، وهؤلاء البشر بحاجةٍ لمن يشبهُهم فلا ينبذونه ولا يلقون على صورته تعاويذ الرفض المهين"
قالت "ومن أنبأك أنهم ليسوا بحاجةٍ للمتباين عنهم؟! ألا ترين أنهم في عمق اندهاشهم يهابونَك؟ وفي جُلِّ تساؤلهم عن ماهيتك العجيبة يغبطونَك؟"
ردَدْتُ مبهوتة "بلى، رأيت هذا وذاك"
قالت "إذن فأنت جميلةٌ في عيونهم، فريدةٌ بقلوبهم، حلمٌ حَنون يداعب خيالَاتهم"
قلت "أهكذا ظنك بأهلِ العالمين؟"
قالت "نعم"
قلت "لعلَّها سعادةٌ لم أدركْها وأمانٌ رغبتُه ولم أذُقْه"
قالت "لعلَّها ولعلَّه!"
قلت مطمئنة "بل هو ذاك".
#راقية_جلال_الدويك
#بنت_جلال
#أهل_الوداد