غريبة ..انى طول ما أنا كنت بأقرا الكتاب كان نشيد الجيش الأحمر الروسى Polyushka Polye شغال فى دماغى ..فى نفس الوقت اللى كلمات النشيد فيه بتتكلم عن وداع الجنود الروس لحبيباتهم وفتياتهم..الكتاب بيتكلم عن سيدات حاربوا إلى جانب الرجال خلال الحرب العالمية الثانية..غريبة مش كدا؟
عالم حبة الرمل..دا أحد اوصاف سفيتلانا أليكسفيتش الكاتبة البيلاروسية الحائزة على نوبل 2015 لمشروعها ولكتاباتها...التاريخ الضخم للامم مش همها الأساسى ..له ألف من يكتبه..لكن مشروع حياة سفيتلانا (أصوات اليوتوبيا) هو فى الحقيقة سماع صوت مغاير تماما لليوتوبيا..صوت المعاناة الانسانية وتاريخ البشر اللى حضروا الأحداث العظمى..اصوات محدش بيحب يسمعها ولا حيحب يسمعها..بس هى قررت تجمعها...
(ليس للحرب وجه انثوى) بيتكلم عن سيدات الجيش الروسى ..وهما مش خدمات طبية وسلاح اشارة بس..الروسيات كان منهم قناصات شديدات الشهرة..و مقاتلات على مدافع وقادة فرق هندسية و جنود استطلاع و مشاة ..يعنى شاركوا فى الجيش بكل اجنحته..هنا هى بتجمع شهاداتهم..مش شهادات من نوعية لما الألمان ضربونا احنا كمان ضربناهم..لكن المشاعر..الدوافع...العالم الداخلى للمقاتلات الروس أثناء وما بعد الحرب
الله اعلم الرجال عندهم نفس العالم الداخلى ولا لا..بس هنا هى بتحكى عن قلب الحرب الدامى والمفزع اللى الرجال بيشوشروا عليه ...او شايفينه مش مهم ..الله اعلم..
الكتاب اشبه بمجموعة قصص قصيرة حوالين موضوع واحد..حتعيش فيها مع المقاتلات وهما بيحكوا عن دوافعهم للتطوع والالتحاق بالجيش..منهم المؤمنه بالحلم السوفيتى و من التنظيمات الشبيبية الشيوعية والحرب بالنسبة لها عقائدية..منهم المهندسة ابنه مهندس الجسور ..ورثت حب الجسور وبنائها من والدها و قررت خوض الحرب لما شافت قصف الألمان للجسور..منهم اللى فقدت عيلتها كلها فى الاجتياح الألمانى للأراضى الروسية..منهم اللى ببساطه راحت مع صديقاتها عشان متخيلتش تقعد فى القرية بتاعتها من غيرهم...الفقيرة جدا اللى كانت مش لاقية جزمه وراحت الجيش لما عرفت انهم حيصرفوا لهم شرابات وجزم و بالطو...كل واحدة كان لها دافع مختلف وان كان أدى بيهم للتواجد فى نفس المكان
فى البداية رفض واستهزاء الجنود بيهم..قائد فصيلة مدرعات بنت عندها 19 سنة!!! مع الوقت..أواصر من الاخوة والصداقة بتتكون..و ينادوا بعض ب (اختى) و (اخى) ...منهم اللى اتبرعت بالدم ونظرا لندرة فصيلة دمها نصحوها تلزق على زجاجة الدم اسمها ورقم وحدتها..واتفاجئت بشاب بعدها بشهور جاى يسلم عليها بصفتها اخته..اكتشفت انه متلقى الدم اللى اتبرعت بيه وهو يتيم ونشأ فى ملجا ودى اول مرة يكون فى رابط بالدم بينه وبين انسان واعتبرها فعلا اخته لدرجه انه اوصى ان خطاب خبر استشهاده يروح لها..لان ببساطة مفيش حد تانى يتلقى الجواب أصلا!.بصرف النظر عن كفاءة كل واحدة منهم فى اداء المهام القتالية (معظمهم معاهم أوسمة ونياشين) لكن رؤيتهم للحرب مستحيل تقراها فى مكان تانى...احداث غريبه جدا..ومشاعر اغرب..هما كانوا بنات وسيدات..اناث حتى فى قلب النار..مش انوثة من نوعيه (اوووه ..ضوفرى اتكسر!!) لكن انوثه حنونه...بتقدس الحياة ...مش شايفه فى القتل ما يدعو للفخر...بتعامل الحرب كفترة من حياتهم لكن مش دستور الحياة ..مش زى الرجاله شايفنها ساحة الفخر ..منهم مقاتلة عاصرت حصار ستالينجراد (واحدة من ابشع معارك الحرب العالمية الثانية و دخلت ستالينجراد فى مجاعه عنيفه بسبب الحصار واتقتل فيها ملايين) و بعدين دخلت ألمانيا مع هزيمة الألمان ..كجندى..توجهت للرايخستاغ (البرلمان النازى) وكتبت على الحيطة (ايها النازيون...هزمتكم فتاة صغيرة من مورمنسك) لكنها وهى ماشيه فى الشارع شافت سيدتين المانيتين قاعدين بيشربوا قهوة...كل اللى جه فى دماغها هو انتوا عملتوا كدا ليه!! عندكو فناجين خزف وبلكونات جميلة وحياة نضيفة..بعتوا اولادكم وازواجكم يقتلونا ليه!! ورغم كل شىء فى اللحظة اللى شافت فيها يتيم المانى بيقرب منها وبيشاور انه جعان..خافت من الكراهية جواها..و قدمت له طعام..وبعدها بقت تمسح على رؤوسهم وتقدم لهم اكل بابتسامه فى غفران لخطايا اهلهم
اذا كان عندى انطباع فى آخر الكتاب..فهو الاحترام الشديد للمرأة الروسية...مقاتلات...طبيبات..سيدات فضلوا فى البيوت ومراحوش الحرب لكنهم عاشوا على أقل القليل...طبخوا الاعشاب و ناموا على الارض وعملوا كل ما يمكن ..بطولة نادرة و عميقة وحقيقية..الروسيات مش رقاصات!!
كان نفسى أقول ان كلهم لما رجعوا بيوتهم حياتهم كانت جميلة واتعاملوا كأبطال ..الحقيقة ان الحظ لم يكن حليف كثيرات منهم..المجتمع الروسى مجتمع محافظ..منهم اللى امها طردتها عشان لها 4 اخوات بنات وعايزين نجوزهم..ومين حيتجوزهم واختهم عاشت 4 سنين وسط الرجاله لا ضابط ولا رابط!!! منهم اللى حبيبها رفضها عشان اصبحت (خشنه ومأساوية) ..او لأن عيلته رفضت انه يرتبط بفتاة الجبهة اللى تلاقيها كانت ماشيه هناك على حل شعرها...منهم اللى انجبت طفل معاق و حاسه انه ذنب القتلى اللى قتلتهم وهى قناصة...ومنهم اللى الحياة تحالفت معاها وصالحتها وتزوجت احيانا من رفيق بالجبهة او غيره لكن تصالحت مع ماضيها ..
فى النهاية..كتاب جميل ومش عارفه اقول عنه ايه..لكن هو صعب الحقيقة ...بس من اكتر الكتب اللى تستاهل تتقرا