في رواية «البتراء» للكاتب السوداني الكبير صلاح محمد الحسن القويضي، الصادرة عام 2025، والتي تسبر حياة فتاة من دارفور في سياق الحرب والتشظي الإنساني، لا تقف نجمة بوصفها شخصية فحسب، بل بوصفها أثرًا حيًا للوجع، للغيب، وللخوف الذي لا يُسمع صوته. أثر يمرّ في اللغة خافتًا، متقطّعًا، كمن يجرّ صوته خلفه ولا يلتفت، ويترك مسافة الصمت التي تتكفل بملء الفراغ بما لا يجرؤ الكلام على قوله.
حين تحاول الكلام، يتكفّل الصمت بإكمال الجملة، وحين تعجز، تتقدّم فادية خطوة إلى الأمام، لا لتتكلّم بدلها، بل لتخفّف عنها ثقل النطق، لتحفظ الألم كما هو، لا لتجمّله. فادية ليست راوٍ عابر، بل حارس للذاكرة وضمير يروي الألم الذي لم يُسمع بعد، تجسّد العلاقة بين الضحية والسرد، بين الجرح واللغة، بين الصمت والكلام.
في فصل الاغتصاب من «البتراء»، الفعل موصوف في الرواية، لكن قوته الحقيقية لا تكمن في تفاصيله الجسدية، بل في الأثر النفسي والرمزي الذي يتركه. يتحوّل الجسد من مساحة مقاومة إلى ساحة انكسار قسري، حيث تُترك نجمة بلا اختيار، بلا أمان، وبلا ملاذ. الألم يذوب في صمتها، والذاكرة تتشظى بين الذل والانهيار، لتصبح لحظة الفعل لغة سلطة على الجسد والروح معًا.
نجمة لا تُهزم في لحظة واحدة.
الهزيمة هنا بطيئة، متكرّرة، ومقنّعة بالتهديد.
الجسد، الذي يبدأ مقاومة، لا يستسلم لأنه ضعيف، بل لأنه محاصر: بالسلاح، بالخوف، وبغياب أي معنى للحماية.
الاغتصاب في هذا الفصل ليس حادثة، بل لغة سلطة.
لغة تقول للضحية:
أنتِ بلا خيار، بلا صوت، وبلا زمن خاص بك.
ولهذا، لا يعود الجسد ملكًا لصاحبته، بل يتحوّل إلى ساحة يُعاد احتلالها كلما شاء المعتدي.
لكن الفجيعة الأعمق لا تسكن الجسد وحده.
إنها تنتقل إلى الداخل، حيث تبدأ نجمة صراعًا آخر:
صراعًا مع الذاكرة،
مع الارتباك،
مع شعورٍ غامض بالذنب لا سبب له،
ومع أسئلة لا تجرؤ على نطقها حتى أمام نفسها.
لهذا يتوقّف السرد، ولهذا لا تكتمل الجملة.
> «لو لم يُبتر كفّي…»
ليست هذه عبارة ناقصة، بل جملة مصابة تحمل كل ما لا يُقال: الالتباس، الخسارة، وتشوّه الإحساس بعد العنف القسري. في هذه الجملة، لا يُدان الضحية، بل العالم الذي تركها وحيدة مع شعور لا يملك المجتمع لغةً عادلة للتعامل معه.
الرواية، في هذا الفصل، لا تطلب تعاطفًا عاطفيًا سهلًا، بل تطلب إنصاتًا أخلاقيًا. إنصاتًا يدرك أن بعض الجراح لا تحتاج إلى تفسير، بل إلى اعتراف بوجودها. في «البتراء»، يتحوّل جسد المرأة إلى خريطة مصغّرة للحرب: انتهاك بلا مساءلة، وصمتٌ مفروض باسم الخجل، وذاكرة تواجه نفسها وحدها.
إن ما يجعل هذا الفصل مؤثرًا هو وعي الكاتب بالأخلاقيات السردية؛ فهو لم يستغل فاجعة الفعل لإحداث صدمة، بل حولها إلى سؤال إنساني مفتوح عن الانكسار، عن الاغتراب، وعن العنف الذي لا يرحم. هنا يظهر صلاح محمد الحسن القويضي ككاتب نادر يتعامل مع الألم بضمير حاد، وحس أخلاقي وفني متكامل، يجعل من الرواية شهادة حية على ما تتركه الحرب في أجساد وذاكرات النساء.
وهكذا، لا يخرج القارئ من الفصل مصدومًا، بل مثقَلًا بسؤال ثقيل:
كيف يمكن للعالم أن يستمر طبيعيًا، بينما تُترك نجمة خلف النص، تحمل جرحًا لا يلتئم بالكلمات؟








































