كلما أوغلتُ في الكتابة، اكتشفت أنني لا أكتب لأُرضي ذائقة، ولا لأحاكي أثرًا،
بل لأتعرّف إليّ من جديد… خارج الزحام، خارج الضجيج، خارج تشابه الخطى،
حيث لا مرآة تعكس صورًا مستهلكة،
ولا صوتٌ يرتدّ إليّ إلا صوتي.
كل كلمة، كل سطر، كأنهما مرايا صغيرة تكشف لي نفسي، بظلها ونورها، بعمقها وخفوتها.
الكتابة بالنسبة لي ليست حالة عابرة،
ولا حيلة للهروب،
بل طقس وجودي؛
أدخله بكامل اتساقي، وأغادره بكامل تمرّدي،
كمن يخطو في صالة فارغة يملؤها صدى خطواته وحده،
وحين أخرج، يبقى أثر كل خطوة محفورًا على جدران الروح.
في لحظة ما، يتكئ الناس على الكلمات اتكاء الضعيف على عكازه…
أما أنا أكتب.
لا تُعذّبني الفكرة، بل أنا من يُضيّق عليها الخناق حتى تعترف بكل أسرارها،
حتى تنكشف لي ملامحي الخفية بين الحروف والسطور.
لا أحتاج إلى الحبر لأؤنس وحدتي،
أنا أكتب لأُوقظ الذاكرة، لا لأُسكت الوحشة،
لأرسم على صفحات الورق وجهي الداخلي، ظلي ونور روحي.
خافت مي زيادة من جنون العقل… أما أنا فأقف على تخومه،
أراقب الفكرة وهي تتسع، تفتح أبوابًا لا أعلم إن كنت أملك مفاتيحها،
لكنني أعلم يقينًا أنني لا أُشبه أحدًا،
ولن أكون ظلّ أحد، بل كيانٌ منفرد؛
حين أكتب، أُعلن استقلال روحي عن كل ضوضاء،
حتى تلك التي تنبعث من عمق الأدب، حتى من الكلمات نفسها.
أنا لا أكتب بحثًا عن أمان، بل عن مواجهة.
قوتي ليست في أنني لا أشعر بالألم،
بل في أنني أواجهه، وأحوّله إلى ضوء، إلى جمال، إلى كلمات تحاكي الضوء والظل،
أجعل من كل وجع لوحة تُعانق النظر والروح معًا،
أعلن للعالم ولنفسي أن الكتابة ليست ملاذًا، بل ساحة،
ساحة أواجه فيها نفسي، وأعلن فيها أنني… أنا، كاملة، منفردة، حرة.








































