كيف تساهم اختياراتك القرائية في تشكيل وعيك وتوسيع أفقك؟
حين نتأمل مشهد القراءة في عالمنا اليوم، نجد أنه لا ينضوي تحت نمط واحد أو شريحة موحدة، بل يتوزع كما تتوزع طبقات الضوء في السماء؛ متفاوتًا في العمق، متنوعًا في الغايات، ومتشابكًا في الأثر.
لكن كيف نختار نمط قراءتنا ليناسب احتياجاتنا النفسية والمعرفية؟
وكيف ننتقل من شريحة إلى أخرى دون أن نفقد المتعة أو العمق؟
هنا تبدأ الحكاية.
أولًا: قارئ التسلية… حيث تبدأ البذرة
تبدأ رحلة كثير من القرّاء من باب المتعة. قارئ التسلية هو من يقرأ للهروب من رتابة الواقع، طلبًا للراحة أو للتسلية الذهنية. تستهويه الروايات الخفيفة، القصص البوليسية، أو كتب التنمية الذاتية ذات الطابع المباشر.
🟢 مثال: قارئ يفضل روايات أحمد خالد توفيق، أو كتب مثل "قوة الآن" لإكهارت تول، أو "فن اللامبالاة".
ورغم ما قد يُظن من سطحية هذا النوع، إلا أن في المتعة بذرة وعي كامنة، قد تقود لاحقًا إلى أفق أعمق وأكثر جدية.
ثانيًا: قارئ المعنى… غواصٌ في النصوص
يقرأ ليتأمل. يحفر تحت سطح الكلمات ليصل إلى الدلالة. لا يكتفي بما يُقال، بل يبحث عمّا وراءه من فكر وموقف وفلسفة. هذا القارئ يقدّس اللغة ويأنس بالرمز والتأويل.
🟢 مثال: من يتعمق في كتب نصر حامد أبو زيد، أدونيس، أو روايات ألبير كامو، أو يقرأ عبدالوهاب المسيري لا لأسلوبه فقط، بل لمنهجه التفكيكي ونظرته للواقع.
ثالثًا: قارئ الثقافة العامة… الواسع المتنقّل
يتنقل بحرية بين الفلسفة والتاريخ والدين وعلم النفس، دون أن يُلزم نفسه بتخصص محدد. يقرأ لأن العالم يدهشه، ولأن الأسئلة لا تنتهي. وهو غالبًا ما يكون قارئًا ذا أفق واسع، لكنه بحاجة إلى ترسيخ أدوات تحليلية تُنقِّي له ما يقرأ.
🟢 مثال: من يقرأ هارفارد بيزنس ريفيو في الصباح، وكتابًا عن أدب المنفى مساءً، ويتابع بودكاست عن التربية بعد العشاء.
رابعًا: قارئ التخصص… العميق المحدود
هو القارئ الذي يتوغل في مجاله بتركيز دقيق، فيقرأ للبحث، للدراسة، أو لمهنة محددة. هذا النمط يُنتج الخبراء، لكنه قد يُهمل مناطق في النفس والفكر تحتاج إلى تهوية أدبية أو روحية.
🟢 مثال: طبيب لا يقرأ إلا في الطب أو كتب علم الأعصاب، أو أستاذ جامعي لا يتجاوز مراجع تخصصه الأكاديمي.
خامسًا: قارئ الشاشات… بين النقر والتشتيت
هذا القارئ الجديد يتلقى معرفته من شاشات الهاتف أو الحاسوب. يقرأ مقتطفات، ملخصات، أو مقالات قصيرة. قد يتنقل بين التغريدات والإنفوغراف والتدوينات. بعضهم يكتفي بذلك، والبعض الآخر يقرأ كتبًا إلكترونية كاملة.
🟢 مثال: من يتابع ملخصات الكتب على Blinkist، أو يقرأ مقالات مدونة معنى وثمانية، أو يشاهد فيديوهات مراجعة الكتب في يوتيوب.
⚠️ التحدي: هذا النمط يُواجه بخطر التشتت، وتأثير الخوارزميات التي قد تُغلق على القارئ في دائرة ضيقة من الاهتمامات السطحية أو المريحة فقط.
لكن بالإمكان تجاوزه عبر استخدام تطبيقات لتقليل الإلهاء، وتخصيص وقت للقراءة العميقة، بعيدًا عن الإشعارات والانقطاعات.
هل ننتقل بين هذه الشرائح؟ نعم، وبذكاء
ليس من المفترض أن نُسجن في شريحة واحدة. القارئ الناضج يمر بكل هذه المراحل، وقد يجمع بينها جميعًا في أسبوع واحد. يقرأ أحيانًا ليهرب، وأحيانًا ليتخصص، وأحيانًا أخرى ليعيد ترتيب العالم داخله.
لكن الشرط الوحيد ليبقى قارئًا حقيقيًا: أن يكون واعيًا بما يختار.
القراءة الواعية: مقاومة في عصر التشتت
القراءة لم تكن يومًا مجرّد عادة راقية، بل فعل دفاع عن الذات.
هي تمرين يومي على التركيز وسط فوضى الملهيات،
واختيار واعٍ وسط تيارات تُغرق العقل في السطحيات.
أن تقرأ بوعي، يعني أن تُمسك بزمام أفكارك،
أن ترفض أن يُملى عليك،
وأن تصنع وعيك بكلمات تختارها لا تُفرض عليك.
نمط قراءتك ليس مجرد ذوق... بل هو قرار في أي شكل من أشكال الحياة تريد أن تعيش.
فإما أن تقرأ لتصنع نفسك،
أو يُقرأ لك ما يصنعك.
خاتمة
كل قارئ يسير في درب مختلف، لكن الوجهة الكبرى تبقى واحدة:
أن نعي أكثر، ونفكر أعمق، ونعيش أوعى.
وما هذه الشرائح إلا خارطة مرنة لحركة القارئ بين المتعة والتأمل، بين الحواس والعقل، بين ما يريح وما يوقظ.
فاختر مكانك منها بوعي، وكن أنت من يرسم حدوده.








































