في ليلٍ تتدلّى فيه الذكرى كالغيم على حوافّ الروح، ويُشيع القمر ضوءه على النوافذ كنداءٍ قديم، يهمس القلب همسًا متعبًا: فات الميعاد… عبارةٌ صارت كوترٍ خافت يطرق أعماقي، تذكّرني أن بعض الأبواب إذا أُغلقت، لا تُفتح مهما طال الوقوف أمامها.
كنتُ أظن أن الحب دائرة، تعود بنا كلما ضللنا الطريق، لكنني أدركت متأخرًا أنه مسارٌ مستقيم، يمضي نحو قدَرِه دون أن يلتفت لما تركه خلفه؛ كتلك الشمس التي تهجر الأفق ببطء، ثم تختفي دون اعتذار.
وكم كان صوتك قريبًا حين قلتَ ذات مساء: "نرجع زي زمان؟" فارتسمت ابتسامة لا تشبه الفرح… لأنني كنتُ أعلم، في عمقٍ لا يُرى، أن الزمن لا يستجيب للنداء، وأن القلب لا يستعيد براءته مرتين.
قلبك الذي كان يومًا موطني، صار مدينةً غريبة؛ شوارعها تعرفني، لكنّها لا تحتضن خطوتي. كيف أعود إليها وأنا التي لامست الحنين حتى احترقت؟ كيف أرجع وقد درّبتني على الغياب حتى أتقنته؟ وكيف أبحث في داخلي عن بياضٍ قديم كنتَ تملأه، وأنا أعلم أنه تلاشى بصمتٍ لا يشبه الفقد بل يشبه النضج؟
فات الميعاد…
لم يكن موعدًا فوّتنا حضوره، بل وهْمًا ظللنا نتشبّث به حتى أدركنا أن الأماني المعلّقة تُرهق القلب أكثر مما تغذّيه. وتيقّنتُ أن الحب الذي يهزمه الغياب يعود ناقصًا، وأن الرجوع ليس بطولة، بل أحيانًا مجرّد حنين يُريد أن يسمع صدى نفسه.
اليوم أقف أمامك بأهدأ نسخة من روحي؛ نسخة تعرف أن بعض المشاعر تُولد مرة واحدة، فإن غادرت، لم تعد بذات الدفء. نسخة تعلّمت أن الحب لا يصنع الكرامة، بل الكرامة هي التي تُنقذ ما تبقّى من الحب.
فات الميعاد…
ولا شيء أثمن من وداعٍ ناضج، نرسمه بابتسامة خفيفة، ونمضي بعدها بقلبٍ يؤمن أن المستحيل ليس خسارة… بل بابًا أغلقناه في الوقت المناسب.








































