نولد وفي داخلنا عطش لا نعرف له اسماً،
عطش يشبه السؤال أكثر مما يشبه الحاجة.
كلما ظننا أننا وجدنا ما نبحث عنه،
يتسع الفراغ من جديد كأن الوجود يهمس لنا:
"ما وجدتَه ليس كل ما هناك."
لسنا نبحث عن المعنى لأن الحياة غامضة،
بل لأننا نحن الغموض ذاته.
نعيش نتقلب بين الحضور والغياب،
بين ما نظن أننا نريده وما لا نجرؤ على الاعتراف به.
وفي تلك الرحلة الطويلة التي تُشبه الدوران حول الذات،
نتعلم أن المعنى لا يُكتشف دفعة واحدة،
بل يُولد فينا ببطء، كلما صدقنا أنفسنا أكثر.
هناك لحظات نادرة نشعر فيها أن كل ما حولنا يصمت،
كأن الكون كله ينحني ليرينا وجهه الآخر.
تلك اللحظات لا تأتي بإرادتنا،
بل تهبط كالوحي حين نكون مستعدين لاستقبالها.
ربما في صلاةٍ هادئة، أو أمام بحرٍ يبتلع ضجيجنا،
أو عند عتبة خسارةٍ تُعيدنا إلى أصلنا البشريّ الهشّ.
في تلك اللحظات نفهم أن الروح لا تبحث عن تفسيرٍ للعالم،
بل عن اتصالٍ به.
في التفاصيل الصغيرة يسكن شيءٌ من الإجابة:
في يدٍ تُربّت على أخرى،
في لحظة صمتٍ تعني أكثر من الكلام،
في فجرٍ نتنفس فيه الدعاء دون أن نطلب شيئًا محددًا.
المعنى ليس وعدًا ننتظره من الخارج،
بل نبتة تنمو في الداخل،
كلما أضأنا عليها بالصدق والرغبة في الفهم.
ربما يكون الشعر، أو لوحة فنية، أو نغمة موسيقية
أقدر على كشف جوهر الإنسان من آلاف الكلمات.
ففي الجمال، يتجلى المعنى دون أن يُقال،
وفي لحظة تأملٍ أمام غروبٍ صامت،
نحسّ أن الجمال ليس زخرفًا بل طريقًا نحو الفهم،
وأن الفنّ لا يصف الحياة بقدر ما يوقظها فينا.
يظن بعضنا أن المعنى يُكتسب من الإنجازات،
من عملٍ عظيم أو فكرة خالدة.
لكن الحقيقة أن المعنى يختبئ أحيانًا في فعلٍ بسيط،
كأن تسقي وردةً ذابلة،
أو تكتب رسالةً لم تصل،
أو تبتسم رغم وجعٍ لا يُرى.
ما يجعل هذه اللحظات خالدة هو أنها تذكّرنا بأننا ما زلنا أحياء،
وأن القلب رغم ما مرّ به، ما زال ينبض.
نبحث عن المعنى في الآخرين،
في حبٍّ يُنقذنا من التيه، أو صداقةٍ تمنحنا طمأنينة العابرين إلى الله.
لكننا نتعلم مع الوقت أن لا أحد يمنحنا معنى مكتملًا،
بل يضيء كلٌ منهم جزءًا صغيرًا من الطريق،
ثم نكمل السير وحدنا.
ولعل أعظم ما في الرحلة أن نكتشف أن الوحدة ليست خواء،
بل مساحة نسمع فيها أصواتنا بوضوح أكبر.
ومع ذلك، نحن لا نحيا بمعزل عن الآخرين.
كل إنسانٍ نلقاه يترك فينا أثرًا خفيًا،
ربما يبدّل نظرتنا إلى الحياة دون أن نشعر.
المجتمعات الصغيرة، الأصدقاء، العائلة، حتى المارة المجهولون —
كلهم يشكلون خيوطًا دقيقة في نسيج المعنى الذي نحمله.
فنحن نكتمل بالآخر، كما تكتمل النغمة بالصدى.
الإنسان كائنٌ يعيش بالتناقض.
يريد الفرح ويخاف منه،
يرجو الحب ويهرب منه،
يطلب الحقيقة ثم يرتبك حين تقترب منه.
ومع ذلك، في هذا التناقض بالذات، يتشكل المعنى.
فليس النور وحده ما يعلّمنا،
بل الظلّ أيضًا بما فيه من احتمالات.
من ضعفنا نصنع قوتنا، ومن فوضانا نتعلّم التوازن،
وكأن التناقض هو اللغة التي يفهم بها القلب معنى الوجود.
يتغير معنى الحياة كما يتغير وجهنا في المرايا عبر السنين.
في الشباب نظنه هدفًا،
وفي النضج نكتشف أنه طريق.
حين نفقد، نبدأ في الفهم.
وحين نتألم، نتعلم كيف نحبّ بصدقٍ أكبر.
المعنى ليس نهاية الطريق،
بل طريقة السير فيه.
كل مرحلة من العمر تحمل سؤالها الخاص.
في بداياتنا نسأل: "من أنا؟"
ثم نصبح أكثر حذرًا فنقول: "من أكون حقًا؟"
ومع مرور الوقت، حين نفقد وننجو ونُشفى،
نفهم أن السؤال لم يكن بحثًا عن هوية،
بل عن سلامٍ مع الذات.
وحين يهدأ الصراع، نرى المعنى لا كشيءٍ نملكه،
بل كوجودٍ يسكننا.
في النهاية، نحن لا نبحث عن المعنى لنملكه،
بل لنصبح أكثر وعيًا بأنفسنا.
فكل سؤالٍ يوقظنا، وكل تجربةٍ تُعيد ترتيب قلوبنا،
هي لبنة في هذا البناء الذي لا يكتمل.
ربما لن نصل يومًا،
لكن يكفينا أننا نسير،
نسير وفي أعماقنا نورٌ صغير يقول لنا:
أن تكون إنسانًا يعني أن تظلّ تبحث،
حتى آخر لحظة،
عن ما يجعلك تشعر أن الحياة… كانت تستحق.








































